Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

Follow by Email

Derniers sujets

المشاركات الشائعة

الجمعة، 20 مارس، 2015

مسطرة الشقاق في ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي جـ2 - بحث إجازة



القسم الثاني : آثار الطليق للشقاق على حقــوق أفــــراد الأســــرة

نظرا لكون آثار الحكم بالتطليق للشقاق لا تقتصر فقط على الزوجين، وإنما تمتد لتشمل ما تنسل منهما من أطفال، فإن من الضوابط الأساسية المقيدة لسلطة المحكمة في تفعيلها لمسطرة الشقاق، ضرورة مراعاة حقوق جميع أفراد الأسرة ضمن الحكم الصادر بالتطليق، و التي تتمثل طبقا للمادة 97 من مدونة الأسرة في حقوق الزوجة المطلقة والأطفال و كذا حق الزوج في التعويض عند الاقتضاء، مع الاشار إلى قابلية هذا الحكم للطعن في جزئه المتعلق بالمستحقات الماليـة طبقـا للإجراءات العـاديـة ( المادة 88 من المدونة).
و بنـاء عليـه سنقسـم هذا القسـم إلى فصليـن كالأتـي :

الفصل الأول : حقـوق الزوجـة المطلقـة و الأطفـال .

الفصل الثاني : حـق الـزوج في التعويـض عن التطليـق للشقـاق .




الفصل الأول : حقـوق الزوجــة المطلقـة و الأطفـــال

تستأثر حقوق الزوجة المطلقة و الأطفال باهتمام المشرع المغربي في المدونة الجديدة للأسرة، ليس فقط بعد صدور الحكم بالطلاق أو التطليق في الدعاوي الرامية إلى طلب ذلك، بل حتى أثناء سريانها من خلال تخويله للمحكمة عند الاقتضاء سلطة اتخاذ ما تراه مناسبا من تدابير مؤقتة لفائدتهم ( [1]) .
ومن تطبيقات الحماية القانونية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال، أن المحكمة المختصة بتطبيق مسطرة الشقاق ملزمة طبقا للمادة 97 من المدونة بتحديد و تقدير مستحقاتهم في الحكم المتضمن للتطليق للشقاق ( المبحث الأول )، و التي يتوقف استيفاؤهم لها على تفعيل الحماية القضائية المضمنة فيه ( المبحث الثاني ).

المبحــث الأول : مستحقــــــات الزوجــــة و الأطفــــــال

يعتبر تحديد و تقدير مستحقات الزوجة و الأطفال في دعاوي التطليق للشقاق انطلاقا من المواد المنظمة لها في مدونة الأسرة، من المواضيع التي تقتضي اجتهاد المحكمة في إطار السلطة المخولة لها، لأجل جمع الأدلة و العناصر الضرورية التي تمكنها من القيام بذلك، نظرا لكثرة الإحالات بشأنها في تلك المواد و تشتتها في ثناياها، إضافة إلى أن طبيعة و خصوصية الحقوق الأسرية يجعلان من الصعب الفصل بين الجوانب المادية و المعنوية في كل ما يتعلق بمستحقات الزوجة  المطلقـة ( المطلب الأول ) و مستحقات الأطفال ( المطلب الثاني ).

المطلــب الأول : مستحقــات الزوجـــة المطلقــة

لقد أثارت حقوق الزوجة المطلقة في ظل التطبيق القضائي لمدونة الأحوال الشخصية الملغاة، نقاشا فقهيا و قضائيا نتيجة الصعوبات القانونية و الواقعية التي كانت تحول دون الاستفادة منها، حيث إن تنظيمها لم يكن يتلاءم مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيش فيه، مما دفع العديـد من المنظمات النسائيـة     والجمعيات الحقوقية إلى رفع شعار تحسين وضعية المرأة بشكل عام، و المطالبة بضرورة إنصاف الزوجة المطلقـة وتمكينها من كافة حقوقهـا الأساسية بشكـل خاص، انطلاقا من تعديل ومراجعة النصوص القانونية المرتبطة بها، و هو ما استجاب له المشرع المغربي في مدونة الأسرة.
فمستحقات الزوجة المطلقة مضمونة ومنظمة بمقتضى المادة 97 التي تحيل على المادة 84 المحددة لمشتملاتها، والمرتبطة بدورها من حيث تطبيقها بمواد أخرى من نفس المدونة، لذلك فالقضاء يجد نفسه حيالها أمام لوحة متشابكة من الحقوق، يتعين عليه الحرص ما أمكن على حسن قراءتها، وهي تتمثل طبقا للمادة 84 أعلاه في مؤخر الصداق أو ما يصطلح عليه في الفقه الإسلامي بالكالئ، إضافة إلى النفقة       والسكنى أثناء العدة والمتعة.
ونظرا لكون حق الزوجة المطلقة في الصداق المؤخر لا يطرح أمام القضاء الأسري أي إشكال قانوني أو واقعي، مما يفسر عدم الالتفات إليه في معظم الأحكام القضائية التي أصدرها في الموضوع،   فإننا سوف نقتصر في دراستنا لمستحقات الزوجة المطلقـة في دعـاوي الشقـاق على حقها في النفقـة و السكنى ( الفقرة الأولى ) وحقها في المتعة ( الفقرة الثانية ).


الفقرة الأولى : حق الزوجة المطلقة في النفقة و السكنى أثناء العدة

إن النفقة تكليف مادي يجب على الزوج نحو زوجته بمستوى الكفاية، حيث إن مناط التكليف بها الزوجية مطلقـا سواء كانت نفقة زواج أو نفقـة عدة الطلاق، فقد اتفق الفقهاء في جميع المذاهب الإسلامية على وجوبها و إن اختلفوا في معايير تحديدها، ذلك أنه إذا كان الأصل في الفقه الإسلامي أن النفقة تقدر بالاعتماد على الوضعية المالية للزوج انطلاقا من قوله تعالى: ) لينفق ذو سعة من سعته ) ( [2] ) ، فإن الاختلاف يكمن في مدى مراعاة حال الزوجة كذلك ( [3]) .
ونظرا للطابع المعيشي لمشتملات نفقة الزوجة المطلقة، والمتمثلة طبقـا للمادة 189 من مدونة الأسرة في الغذاء والكسـوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات ( [4]) ، فقد أحاطها المشرع في هذه المـادة بالعديد من الضمانات الأساسيـة، تتعلق بالمعايير    والعناصر الواجب مراعاتها من طرف المحكمة عند تقريرها لها، وهي التوسط ودخل الملزم بها ( الزوج ) و حال الزوجة و مستوى الأسعار و الأعراف و التقاليد السائدة في الوسط الذي تفرض فيه، وذلك تحقيقا للغاية من سنها ورعيا لمبدأ لا ضرر ولا ضرار.
فهذه العناصر تستأنس بها المحكمة أثناء تقديرها لنفقة الزوجة المطلقة بناء على ما خوله لها القانون من سلطة تقديرية في هذا الإطار، والتي سبق للمجلس الأعلى أن خولها لقضاة الموضوع كما جاء ف قراره الآتي: » أن المطلوبة في النقض لما تركت أمر تحديد النفقة التي تطالب بها إلى المحكمة، تكون قد طبقت القانون خاصة فصل المدونة 119 الذي لا يتعارض مع الفصلين 3 و32 من ق.م.م، و قضاة الموضوع لهم الصلاحية في تحديد قدر النفقة بعد أن تتوفر لهم العناصر الدافعة إلى اعتبار الأسعار وعادات أهل البلد وأهل الطرفين، كما أنهم غير مجبرين بالأخذ بالقدر المطالب به، إذ بوسعهم الحكم بأقل منه أو أكثر « ( [5]) .
ولإضفاء نوع من الموضوعية في تقرير نفقـة الزوجـة المطلقة، يتعيـن على المحكمـة أن تراعـي طبقـا للمادة 190من المدونة تصريحات الطرفين و حججهما، كدخل الملزم بالنفقة كيفما كان مصدره وظيفـة أو فلاحـة أو تجـارة أو عمل أو ريع أي منقول أو عقار، وأن تطالبهمـا بالإدلاء بما يثبت ادعائهما، والتعرف على الحالة الاجتماعية للزوجة و عن موقف كل طرف من تصريح الطرف الآخر، حيث إذا ثبت للمحكمة وجود تضارب في تصريحاتهما حول الدخل وتعذر عليها معرفة الدخل الحقيقي الذي يمكن على ضوئه تقدير مبلغ النفقة لفائدة الزوجة المطلقة خلال عدتها، يمكن لها أن تستعين بالخبراء في هذا الإطار   كحل تشريعي انفتح المشرع من خلاله على مجالات أخرى ترتبط بالواقع، على اعتبار أن الخبرة تعتبر إجراء من إجراءات التحقيق المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية ( [6]) .
بعد هذه التوطئة، يجدر بنا التأكيد على أنه رغم كون النفقة تعتبر من مستحقات الزوجة المطلقة طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة، فإنها تسقط عن كاهل الزوج بمجرد الحكم بالتطليق للشقاق من طرف المحكمة، لأن هذا النوع من الطلاق يقع بائنا حسب المادة 122 منها التي جاء فيها: » كل طلاق قضت به المحكمة فهو بائـن، إلا في حالتي التطليق للايلاء وعدم الإنفاق « ، لذلك فهي لا تستحق أية نفقة إلا إذا كانت حاملا لقوله تعالى: ) و إن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ( ( [7]) ويقول بن جزي الفقيه المالكي الأندلسي : » المطلقة إذا كانـت رجعية فلها النفقـة في العـدة، وان كانت بائنة فليس لها نفقـة إلا إذا كانت حامـلا « ( [8]) ، و هذا ما أكدته المادة 196 من المدونـة الجديدة بنصهـا على أن: » المطلقة طلاقا بائنا إذا كانت حاملا تستحق نفقتها إلى أن تضع حملها، و إذا لم تكن حاملا يستمر حقها في السكنى فقط إلى أن تنتهي عدتها « ، بمعنى أن المطلقة غير الحامل في الطلاق البائن الذي يحكم به القضاء كما هو الشأن بالنسبة للتطليق بسبب الشقاق، يبقى من حقها فقط الاستمرار في السكنى خلال فترة العدة، ببقائها في بيت الزوجة أو للضرورة في مسكن ملائم لها و للوضعية المادية للزوج يهيئ لها لهذه   الغاية، بحيث إذا تعذر ذلك حددت المحكمة تكاليف السكن في مبلغ يودعه الزوج كذلك ضمن المستحقات بكتابة الضبط، أما النفقة فإنها تسقط عن كاهله، حيث جاء في الحكم القضائي الصادر عن قسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الابتدائية بالحسيمة ما يلي: » ... وحيث أن التطليق للشقاق هو طلاق بائن، وحيث أن الزوجة غير الحامل في الطلاق البائن يسقط حقها في النفقـة حسب مقتضيات المـادة 196 من مدونة الأسرة، الأمر الذي يتعين معه رفض طلبها بخصوص هذا الشق ... « ([9]) .
ويقول ابن رشد الحفيـد بخصـوص سكنـى المبتوتـة ونفقتهـا مـا يـلي : » ... و اختلفوا – أي الفقهاء – في سكنى المبتوتة و نفقتها إذا لم تكن حاملا على ثلاثة أقوال : أحدهما أن لها السكنى و النفقة و هو قول الكوفيين، و القول الثاني أنه لا سكنى لها و لا نفقة و هو قول أحمد و داود وأبي ثور وإسحاق وجماعة، والثالث أن لها السكنى ولا نفقة وهو قول مالك و الشافعي وجماعة، وسبب اختلافهم هو اختلاف الرواية في حديث فاطمة بنت قيس و معارضة ظاهر الكتاب له، فاستدل من يوجب لها نفقة و لا سكنى بما روي في حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت: " طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله   عليه وسلم فأتيت النبي صلى الله عليـه وسلم، فلم يجعل لي سكنى و لا نفقة " أخرجه مسلم، و في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما السكنى والنفقة لمن لزوجها عليها الرجعة "، وهذا القول مروي عن علي و ابن عباس و جابر بن عبد الله، و أما الذين أوجبوا لها السكنى دون النفقة فإنهم احتجوا بما رواه مالك في موطئه من حديث فاطمة المذكور فيه: " فقال رسول الله صلى الله عليه    وسلم : " ليس لك عليه نفقة " : و أمرها أن تعتد في بيت أم مكتوم و لم يذكر فيها إسقاط السكنى، فيبقى على عمومه في قوله تعالى: ) اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ( وصاروا إلى وجوب النفقة لها لكون النفقة تابعة لوجوب الإسكان في الرجعة و في الحامل و في نفس الزوجية بالجملة، فحيثما و جبت السكنى في الشرع وجبت النفقة، وروي عن عمر أنه قال في حديث فاطمة هذا، لا ندع كتاب نبينا و سنته لقول امرأة، يريد قوله تعالى: ) اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ( ، ولأن المعروف من سنته عليه السلام أنه واجب النفقة حيث تجب السكنـى، فذلك الأولـى فـي هذه المسألـة أن يقال لها الأمريـن جميعـا ... « ( [10]) .
وبذلك يكون المشرع المغربي في مدونة الأسرة قد تبنى رأي الإمام مالك بخصوص استحقاق المطلقة طلاقا بائنا حق السكنى فقط دون حقها في النفقة خلال فترة العدة، لكون الطلاق البائن ينهي الزوجية حالا بمجرد وقوعه، عكس الطلاق الرجعي الذي تبقى فيه مستمرة إلى حين انتهاء عدة المطلقة مما يجعلها تستحق فيه النفقة و السكنى معا.
لكن إذا كان التوجه العام الذي تأخذ به جل أقسام قضاء الأسرة عدم استحقاق المطلقة بسبب الشقاق للنفقة، كما تؤكد ذلك العديد من الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع، فإن هناك من يحدوا عنه كما هو الشأن بالنسبة لقسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية تاونات، حيث يجعل النفقة أثناء العدة من ضمن المستحقات التي يحكم بها لفائدة الزوجة المطلقة في دعاوي الشقاق، فمما جاء في الحكم القضائي الصادر عنه بتاريـخ 05/10/2005 ما يلي : » ... حول النفقة أثناء العدة :
وحيث أن نفقة المطلقة تبقى في مال مطلقها فترة عدتها مع اعتبار حاله و قد ارتأت المحكمة تحديدها في مبلغ 9000 درهم ... « ( [11]) .

الفقـــرة الثانيــــة : حــــق الزوجـــة المطلقــة في المتعــة

تعد المتعة من الحقوق الماليـة التي تحكم بها المحكمة لفائـدة الزوجة المطلقـة، جبرا لخاطرها و تعويضا لها عما لحقها من ضرر معنوي بسبب انحلال العلاقة الزوجية عن طريق الطلاق أو التطليق ، حيث تجد سندها الشرعي في قولـه تعالـى : ) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة  ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنيـن وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ( ( [12]) ، و قوله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المومنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن مـن عدة تعتدونـها فمتعوهـن وسرحوهن سراحا جميلا ( ( [13]) ، ذلك أنه إذا كان المذهب المالكي بالخصوص يترك للزوج حرية منح المتعة لزوجته المطلقة حسب إرادته، إن شاء تطوع و إن شاء امتنـع على اعتبار أنها مندوبة و ليست واجبـة في حق كل مطلقـة، إلا التي تطلق قبل الدخول     وقد سمي لها صداقها لأن نصف الصداق الذي تستحقه يقوم مقام المتعة، فإنها في مدونة الأسرة تكتسي طابعا إلزاميا، باعتبارها من مشتملات مستحقات الزوجة المطلقة طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة، حيث تراعي المحكمة في تقديرها عدة عناصر منها فترة الزواج و أسباب الطلاق وحـال الزوجة إضافة إلى الوضعية المالية للزوج ( [14]) ، مع مراعاة مسؤولية الزوج المتسبب في الشقاق الذي أدى إلى تفكك الأسرة، و ذلك تكريسا لطابعها التعويضي لفائدة الزوجة المطلقة، حيث تنص المادة 84 أعلاه على أنه: » ... و المتعة التي يراعي في تقدرها فترة الزواج و الوضعية المالية للزوج، و أسباب الطلاق ، و مدى تعسف الزوج في توقيعه ... « كما تنص كذلك المادة 97 من المدونة على أن المحكمة عند حكمها بالمستحقات تراعي مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدر ما يمكن أن تحكم به على المسؤول لفائدة الزوج الآخر، لكن التساؤل الذي يطرح بإلحاح في هذا الصدد : كيف يمكن الحكم بالمتعة لفائدة الزوجة رغم ثبوت مسؤوليتها في الشقاق الذي أفضى إلى الحكم بالتطليق؟
من الإشكاليات العملية التي أسفر عنها التطبيق القضائي لمدونة الأسرة بخصوص التطليق للشقاق، أن الزوجة قد تتقدم بالدعوى وعند إجراء المحكمة لمحاولات الصلح بين طرفي النزاع، يتبين لها أنها هي التي ساهمت بشكل مباشر فيما قد يترتب عنه من آثار تؤدي إلى تفكك الأسرة، ومع ذلك تحكم لها بالمتعة رغم الأضرار المادية و المعنوية التي تصيب الزوج من جراء ذلك، وإن كان القانون بالمقابل يخول له حق المطالبة بالتعويض   مما يعكس التناقض الحاصل في مدونة الأسرة على هذا مستوى، حيث كيف يمكن للشخص نفسه أن يكون دائنا ومدينا في نفس الدعوى؟ لذلك يبقى الحل في اعتقادنا تحقيقا للعدل و الإنصاف جعل مبلغ المتعة بسيط جدا يكون له بعد رمزي أكثر منه تعويضي، فقط حفاظا على طابعها الإلزامي الذي يدفع المحكمة إلى الحكم بها في إطار احترام القضاء لمبدأ سيادة القانون.
هذه إذن هي أهم المستحقات التي يحكم بها لفائدة الزوجة المطلقة في دعاوي الشقاق طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة، أما باقي حقوقها الأخرى الغير المنصوص أو المحال عليها في هذه المادة، كأجرة الرضاع أو الحضانة و ما يتبعها من أجـرة   ومصاريف ( [15]) ، فإن عدم الالتفات إليها من طرف المحكمة يرجع إما لطابعها التبرعي أو لكون الحكم بها يتوقف على تقديم طلب بشأنها أمام القضاء، إضافة إلي أن البعض الآخر تستفيد منه المطلقة لارتباط حقها بحق المحضون كما هو الشأن بالنسبة للحق في السكنى، وعموما يبقى للمحكمة المختصة في إطار السلطة المخولـة لها كامل الصلاحية في تحديد و تقدير المستحقات الزوجة المطلقة طبقا للقانون، و في ضوء الوقائع المعروضة عليها و المعطيات المتوفرة لديها.
أما بخصوص مسألـة ضرورة مراعـاة القضاء لحق الكـد والسعاية الواجـب للمرأة كحق من حقوقها المالية الجاري به العمل في بعض المناطق المغربيـة ( [16]) ، نشيـر إلي أن التـردد و التضارب الذي انتاب العمـل القضائي بشأنـه، إضافة إلى الغموض الذي يعتريه داخل المجتمع المغربي، و ما تترتب عن ذلك من دعوة بعض المنظمات النسائية إلى وجوب الاعتراف للمرأة المطلقة بحقها في الاستفادة من نصف ما تم اكتسابـه خلال فترة الحياة الزوجيـة ( [17]) ، كل هذا دفع المشرع في المادة 49 من مدونة الأسرة إلى تنظيم الذمة المالية للزوجين، حيث يعتبر الأصل فيها طبقا لنظامها القانوني الاستقلال أي : أن لكل منهما ذمته المالية المستقلة عن الآخر إذ لا ولاية للزوج على مال زوجته و العكس صحيح، و استثناء يجوز لهما   في إطار النظام التعاقدي للأموال المشتركة المسموح به قانونا، الاتفاق على كيفية تدبير الأموال التي سيكتسبانها أثناء قيام الزوجية عن طريق استثمارها أو توزيعها، و يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج لإضفاء الحجية عليه كوسيلة إثبات، يمكن الرجوع إليها عند الاقتضاء من طرف الزوجين معا أو أحدهما خاصة في حالة قيام نزاع بينهما حول تلك الأموال، و إلا يرجع عند انعدام العقد المالي إلى القواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد منهما و ما قدمه من مجهودات و تحمله من أعباء في سبيل تنمية أموال الأسرة.
ورغم أهمية أحكام هذه المادة فإن المشرع لم ينص على ضرورة مراعاتها من طرف المحكمة عند تحديدها لمستحقات الزوجة.

المطلـــب الثانـي : مستحقـــات الأطفـــــال

مما لا شك فيه أن الأطفال إن وجدوا يشكلون الضحية الأكثر تضررا من جراء انحلال العلاقة الزوجية، لذلك فقد بادر المشرع المغربي إلى تنظيم حقوقهم في المدونة الجديدة للأسرة، تكريسا و تتويجا للتوجه الذي نحاه بخصوص تغزيز حماية حقوق الطفل و مركزه القانوني خاصة في حالة تفكك الأسرة، ذلك أن المحكمة المختصة في قضايا التطليق للشقاق ملزمة قانونا قبل الحكم بالتفريق بين الزوجين -   وعلى غرار مستحقات الزوجة – تحديد وتقدير مستحقات الأطفال.
ويلاحظ أن هذه المستحقات طبقا للمـادة 84 التي تحيل على المادتيـن 168       و190 من مدونة الأسرة ، تتحدد في حق الطفل المحضون في النفقة و السكنى ( الفقرة الأولى )، و الحال أن حقه في الرعاية الأسرية الذي يؤطر باقي حقوقه الأخرى المادية والمعنوية، يقتضي ضرورة تمتيعه وإحاطته بالرعاية الأبوية كمظهر من مظاهرها بعد انحال العلاقة الزوجية ( الفقرة الثانية ).




الفقرة الأولى : حق الطفل المحضون في النفقة و السكنى

من الالتزامات المالية المترتبة بسبب القرابة واجب انفـاق الآباء على أبنائهـم، حيث تنص المادة 197 من مدونة الأسرة أن: » النفقة على الأقارب تجب على الأولاد للوالدين وعلى الأبوين لأولادهما طبقا لأحكام هذه المدونة « ، فالطفل المحضون يستحق على أبيه نفقة معيشته وتغذيته وكسوته و تمريضه و كل ما يتطلبه نموه وتربيته وتعليمه، مع مراعاة حال أبيه المنفق وعوائد المجتمع والوضعية المعيشية والتعليمية التي كانوا عليها قبل الحكم بالتطليق للشقاق، ضمانا لحقهم المكتسب في العيش الكريم والتعلم الملائم واللائق، خاصة إذا كان الطفل يتابع دراسته في مؤسسة من مؤسسات التعليم الحر الذي يتطلب مصاريف إضافية تختلف تماما عن مصاريف التعليم العمومي المتسم بالمجانية، ذلك أن الأباء ملزمين نحو أبنائهم قدر المستطاع بتهييىء الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري        والبدني، قصد تأهيلهم للحياة العملية و العضوية النافعة في المجتمع « ( [18]) .
وتتحدد فترة نفقة الأطفال بمقتضى المادة 198 من مدونـة الأسرة من الميـلاد إلى بلوغه سن الرشد ( [19]) ، مع إمكانيـة تمديدها لأحد الأسبـاب الآتيـة : الدراسة، الزواج، الإعاقة، و العجز عن الكسب، حيث إذا كان الطفل يتابع دراسته فإنفاق أبيه عليه يستمر إلى حين بلوغه سن الخامسة و العشرين، بمعنى أن النفقة تتوقف عنه قانونـا بمجرد بلوغه هذا السـن و لو كـان لا زال يتابع دراستـه، الأمر الذي لا يتناسب مع ما يجري به العمل من كون الدراسة الجامعية خاصة منها العليا ينتهي منها الطالب أو الطالبة في الغالب بعد ذلك السن، و لحسن الحظ أن الناس لا يسايرون القانون في حياتهم الواقعية بخصوص إنفاقهم على أبنائهـم يتابعون دراستهم الجامعية، لذلك كان حريا بالمشرع أن يقرن توقف الأب عن نفقة أبنائه بعد انتهاء دراستهم، شريطة أن يكونوا جديين فيها غير مكتفين بشهادة التسجيل السنوية ( [20]) ، و بالنسبة للفتاة فإن نفقتها على أبيها تستمر إلى حين زواجها ، إذ تجب النفقة على الزوج بالدخول أو الدعوى إليه ( [21]) ، و في جميع الأحوال تجب نفقة الأب على أبنائه العاجزين عن الكسب أو المصابين بإعاقة، بحيث إذا كان العجز كليا الزم بكل النفقة أما إذا كان جزئيا لحصولهم على دخل غير كاف كمنحة جامعية، فالأب يتحمل الجزء الباقي من النفقة حسب تقرير المحكمة وفقا لظروف وملابسـات كل قضيــة ووضعيـة الطرفي ـ ن، وبخصوص الأطفال المصابين بإعاقة فإن النص على إلزام الأب صراحة بالإنفاق عليهم يندرج في إطار تكريس حقهم الطبيعي في الحماية القانونية الخاصة، باعتبارهم من ذوي الاحتياجات الخاصة التي يسعى المشرع إلى تمتيعهم بها في كل الفروع القانونية.
وإذا كانت هذه المقتضيات التي تتضمنها مدونة الأسرة بخصوص نفقـة الأبنـاء، لا تثير أي إشكال متى كان الأب المحكوم عليه قادرا على تنفيذ واجباته نحوهم، فإن وجه الصعوبة يكمن في حالة عجزه عن القيام بذلك، خاصة و أن المادة 188 من نفس المدونة تنص على أنه: » لا تجب على الإنسان نفقة غيره إلا بعد أن يكون له مقدار نفقة نفسه وتفترض الملاءة إلى أن يثبت العكس « ، لذلك حماية لحقوق الأطفال المحضونين فإن مسؤولية الإنفاق عليهم تنتقل استثناء إلى الأم إذا كانت موسرة، حيث تنص المادة 199 من المدونة على ما يلي: » إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق   على أولاده و كانت الأم موسرة، و جبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب « ، لكـن التسـاؤل الذي يطـرح في هذا الصدد : ما مصير الأبناء في حالة عجز الأم هي الأخرى عن الإنفاق عليهم بسبب عسرها ؟
الأكيد أن معظم المشاكل التي تواجه الأطفال في سنهم المبكرة، وتجعل منهم ضحايا مختلف أشكال الاستغلال و سوء المعاملة سببها الحاجة والإهمال الأسري، نظرا لعدم قدرة الأبوين على الوفاء بالتزاماتهما تجاههما ،سيما في حالة انفصالهما عن بعضهما نتيجة الطلاق أو التطليق، لذلك مادامت الدولة طبقا للمادة 54 من مدونة الأسرة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال و ضمان حقوقهم و رعايتهم حسب القانون، نتساءل لماذا لم تبادر إلى إحداث صندوق التكافل العائلي الذي من شأنه أن يحل العديد من المشاكل المرتبطة بقضايا الأسرة، خاصة في حالة عجز الأبوين عن الاتفاق على أبنائهما بعد الانحلال علاقتهما الزوجية ؟
إضافة إلى ما سبق فإن من واجبات النفقة طبقا للمادة 171 من مدونة الأسرة توفير سكن لائق للمحضون، الذي كان يعتبر في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة عنصرا من عناصر النفقة على المشهور في المذهب المالكي، حيث يقـول ابن جزي ما يلـي : » ... كراء المسكن للحاضنة و المحضونون على والدهم في المشهـور، وقيل تؤدى حصتها من الكراء ... « ( [22]) ، فالأب ملزم بتهييئ لأولاده محلا لسكناهم سواء كان بيت الزوجية أو مسكن آخر يعد لهذا الغرض، و إذا تعذر ذلك عليه أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه، و ذلك بشكل مستقل عن باقي التزاماته المالية، و في جميع الأحوال لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكناه ( المادة 168 من مدونة الأسرة )، حيث تظل الزوجة الحاضنة تشغل هي و أبنائها ذلك المسكن خلال فترة الحضانة ( [23]) ، و نفس هذا المقتضى ينص عليه القانون المصري في الفقرتين الأولى و الرابعة من المـادة 18 مكرر ثالثا من المرسوم بمثابة قانون رقم 25 لسنة 1929 المعدلة بقانون 100 لسنة 1985، حيث جاء فيها : » على الزوج المطلق أن يهيئ لصغاره من مطلقتـه و لحاضنتهم المسكن المستقل المناسب، فإذا لم يفعل خلال مدة العدة استمروا في شغل مسكن الزوجية المؤجر دون المطلق مدة الحضانة ... فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود إلى المسكن « .
ولأجل ضمان توفير سكن لائق و مناسب للأطفال ، يمكن للمحكمة طبقا للمادة 172 و في إطار السلطة المخولة لها لحماية حقوقهم أن تستعين بمساعدة اجتماعية تتولى مهمة مراقبة موقع و طبيعة سكن الحاضن، و ما يوفره للمحضون من الحاجيات الضرورية سواء المادية منها أو المعنوية، باعتبار السكن مكـان للراحـة والاستقرار   وفضاء طبيعي للتربية و التنشئة الاجتماعية ، حيث تقوم بإنجاز تقرير مفصل حول ذلك تحيله على المحكمة التي انتدبتها لاتخاذ ما تراه مناسبا، إلا أنه في ظل غياب إطار قانوني ينظم عمل المساعدة الاجتماعية، من خلال تحديد صلاحياتها ومسؤولياتها كما هو معمول به في بعض القوانين المقارنة، فإن مقتضيات المادة 172 من مدونة الأسرة تظل معطلة كما يؤكد ذلك واقع العمل القضائي.

الفقرة الثانية : حـق الطفـل المحضـون في الرعايـة الأبوية

تمثل الأسرة بالنسبة للطفل إطـارا اجتماعيا يـزوده بعناصر التنشئة و التكوين والأمان، وهي عناصر متداخلة يتوقف نموه السليم و المتكامل على تفاعلها، حيث إن
انحلال العلاقة الزوجية يحرمه من حقه في الأسرة، مع كل ما يترتب عن ذلك من حرمانه من العيش في فضاء أسري تبنى على أساسه شخصيته المتزنة في جميع جوانبها النفسية و العقلية و السلوكية ( [1]) ، ذلك أن العديـد من الدراسات التي أنجزت حول الوضعية الصعبة التي تعيشها بعض الأطفال أكدت أن سببها الرئيسي يكمن في حرمانهم من حقهم في الأسرة نتيجة التفكك الأسري ( [2]) .

فالطفل في ظل الوضع الأسري الذي يعيشه بعد انفصال أبويه عن بعضهما بسبب التطليق للشقاق، يحتاج إلى العناية و الرعاية الأبوية التي تلبي حاجياته و تجنبه المخاطر التي قد يتعرض لها نتيجة ذلك ، خاصة و أنه لازال في طور النمو و يفتقد للمناعة الذاتية التي تحميه من كل ما من شأنـه أن يؤثـر سلبا على بقائه و نمائـه، لذلك فقد بادر المشرع المغربي إلى تنظيم حقوقه و الحرص على ضمان احترامها، كما يتجلى ذلك من خلال المقتضيات المنظمة للحضانة و تنظيم حق الزيارة في مدونة الأسرة، حيث أحاط ذلك بالعديد من الضمانات يؤطرها مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، تماشيا مع تعاليم الإسلام الحنيف التي تعتبر المعيار الأكثر ملاءمة في مجال أحكام الفضيلة المنظمة للعلاقات الأسرية خاصة في شقها المتعلق بعلاقة الأباء مع أبنائهم، وكذلك انفتاحا على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل الصادرة سنة 1989 في إطار ملاءمة القوانين الداخلية مع مقتضياتها ( [3]) ، إذ تنص في المادة الثالثة على أنه : » في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال ، سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة، أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية ، يولى الاعتبار الأول لمصلحة الطفل الفضلى « .
إن حضانة الطفل انطلاقا من المبدأ العام المؤطر لحقوقه، تعني في جوهرها رعايته وتربيته و مايته، حيث عرفها الفقيه ابن عرفة بقوله: » ... حفظ الولد في مبيته ومؤونته و طعامه و لباسه و مضجعه و تنظيف جسمه ... « ( [4]) ، و نفس هذا التعريف تقريبا أورده المشرع في المادة 163 من مدونـة الأسرة بنصهـا على أن : » الحضانة حفظ الولد مما قد يضره و القيام بتربيته و مصالحه « ، و الحضانة تسند مبدئيا طبقا للشرع   والقانون إلى الأم ( [5])، باعتبارها أشفق على المحضون و أصبـر وأقدر على القيام بجميع شؤونه الضرورية التي يعجز عنها بسبب صغر سنه، من تغذية و فراش و نظافة وتمريض، إضافة إلى توجيـهه وإعداده للحياة بكل تشعباتهـا، ذلك أنه إذا كان الأصل في الحضانة مصلحة المحضون فإنها بالنسبة للحاضنة يتداخل فيها الحق بالواجب، لذلك يتعين عليها القيام بقدر الإمكان بكل الإجراءات اللازمة لحفظه و سلامته في جسمه ونفسه، إلى حين بلوغه سن الرشد الذي تنتهي فيه الحضانة أو تفضيله الانفصال عنها بعد بلوغ السن الخامسة عشرة من عمره طبقا للمادة 166 من مدونة الأسرة.
وحتى يتأتى للطفل المحضون الاستفادة من حقه الكامـل في الرعايـة الأبويـة، يجب الحفاظ ما أمكن على استمرارية روابطه مع أبويه ومحيطه العائلي، لما في ذلك من إشباع لحاجيات العاطفية و المعنوية التي هو في أمس الحاجة إليها في ظل الوضع الأسري الذي يعيشه، حيث تنص المادة التاسعة من اتفاقية حقوق الطفل في فقرتها الثالثة على أنه: » تحترم الدول الأطراف حق الطفل المنفصل عن والديه أو عن أحدهما في الاحتفاظ بصورة منتظمة بعلاقات شخصيـة و اتصالات مباشرة بكلا والديـه، إلا إذا تعـارض ذلك مع مصالح الطفـل الفضلى « ، ذلك أن الطرف الذي حرم بمقتضى القانون من حق الحضانة، يبقى له طبقا لنفس القانون في زيارة ابنه خلال فتـرات تحدد مبدئيا بناء على اتفاق الأبويـن، أو عند الاقتضاء بتدخل من القضاء الذي يبادر في قرار إسناد الحضانة إلى ضبط وقت و مكان إجراء الزيارة، مع إمكانية تضمينه شرط عـدم السفـر بالمحضون خارج المغرب دون موافقة نائبه الشرعي، حيث تتولى النيابة العامة تبليغ مقرر المنع إلى الجهات المختصة لاتخاذ ما تراه مناسـبا من إجراءات لضمان تنفيذه، و كل ذلك تراعي فيه المحكمـة ظـروف الأطراف و الملابسات الخاصة بكل قضية تجنبا لكل تحايل في التنفيذ ( [6])، ذلك أن من الإشكاليات العملية المرتبطة بحقي الحضانة والزيارة – خاصة في إطار الزواج المختلط - ما يصطلح عليه بالاختطاف أو النقل غير المشروع للأطفال ( [7]) ، فبعد الحسم في مسألة الحضانة بإسنادها إلى أحد الأبوين، يعمد الطرف الآخر إلى تحايل الفرص لأجل لانفراد بالطفل أثناء ممارسته لحقه الطبيعي والقانوني في زيارته، لارتكابه فعله المجرم قانونا عن طريق نقله بطريقة غير مشروعة إلى مكان أو بلد آخر غير المكان أو البلد الذي يقيم فيه من له حق حضانته ( [8]) ، حيث يصبح الطفل في هذه الحالة وسيلة للضغط و الانتقام و تصفية الحسابات بين الأبوين.
ولأجل تعزيز حق الطفل في الرعاية الأبوية تنص المادة 185 من مدونة الأسرة على أن صلة الرحم لا تنقطع بمجرد وفاة أحد والديه ، بل تستمر بحلول جده أو جدته من جهة أبيه أو أمه، لكن رغم أهمية هذا المقتضى فإنه يبدو غير ملائم مع العادات   والتقاليد السائدة في المجتمع المغربي بخصوص الروابط العائلية ، حيث كان حريا بالمشرع أن يشمل حق الزيارة جميع أقارب المحضون وفق ما تقضيه مصلحته الفضلى، وذلك انسجاما مع التوجه المعمول به في بعض القوانين المقارنة من تعويض مصطلح السلطــة الأبويــة ( Puissance Paternelle ) بولايـة القرابــة      ( L'autorité Parentèle )، كمـا فـي القانـون الهولنـدي ( تعديـل 1970 )   والقانون السويسري ( تعديل 1972 و 1976 ) و القانـون الفرنسـي الصادر في 04/06/1974 الذي ينص في مادته السادسة على أنه: » في جميع النصوص التي وردت فيها عبارة السلطة الأبوية تعوض بولاية القرابة « ، ذلك أن   الهدف من ذلك إخضاع الطفل في كل ما يتعلق بتربيته و حمايته إلى سلطة الأبوين معا رغم التطليق الحاصل بينهما، أو في حالات أخرى إلى سلطة أحد أفراد العائلة إذا كانت مصلحته تقتضي ذلك، إضافة إلى جعل الصلاحيات المرتبطة بولاية القرابة محدودة، حيث إن القانون يتدخل لحماية مصالح الأطفال حتى ضد أبويهم.
عموما فالحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال طبقا للمقتضيات القانونية المنصوص عليها في مدونة الأسرة، تبقى قاصرة إذا لم يتم تفعيلها.


[1] - محمد كرادة : الحق في الأسرة :محاولة في التأسيس و الحماية ، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق بفاس السنة الجامعية 2002/2003 ص : 116 .
[2] - عبد الرحمان مصلح الشرادي : انحراف الأحداث في التشريع المغربي والمقارن ، مطبعة الأمنية الرباط الطبعة الأولى 2002 ص :33، وعلي محمد جعفر: حماية المخالفين للقانون و المعرضين لخطر الإنحراف، مؤسسة مجد للدراسات والنشر والتوزيع الطبعة الأولى 2004 ص: 77.
[3] - محمد ناصر متيوي : موقع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في النظام القانوني المغربي ، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية : عدد 54-55 2004 ص : 192 .
[4] - أشار إليه محمد الكشبور في : أحكام الحضانة – دراسة في الفقه المالكي و في مدونة الأسرة – الطبعة الأولى   2004 ، ص : 16 .
[5] - يتمثل السند الشرعي لحق الأم في الحضانة في ما رواه ابن عمر من أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت : " يا رسول الله هذا ابني كان بطني له وعاء و حجري له حواء وثدي له سقاء و إن أباه طلقني و أراد أن ينتزعـه مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلـم : " أنت أحق به ما لم تنكحي " أخرجه أبو داود كتاب الطلاق حديث رقم 2276، أما السند القانوني فيتجلى في المادة 171 في مدونة السرة التي تجعل الأم في مقدمـة ترتيب الحاضنيـن .
[6] - رغم أهمية المقتضيات التي جاءت بها مدونة الأسرة بخصوص تنظيم حق الزيارة ،فإن القضاء الأسري لازال ينتابه التردد بشأن تفعيلها ، كما يتضح ذلك من خلال الأحكام القضائية الصادرة عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية فاس ، حيث نجده تارة يحدد اليوم و الوقت الذي يمارس فيه ، كما هو الشأن بالنسبة للحكم رقم 3099 في ملف رقم 829/2004 الصادر بتاريخ 27 يونيو 2005 ، حيث ورد فيه : " يحكم على المدعى عليها ... تمكين المدعي ... من ابنته قصد صلة الرحم بها يوم الأحد في كل أسبوع من الساعة التاسعة صباحا الى غاية الخامسة مساء ... " ، و تارة أخرى يكتفي فقط بتقرير حق الزيارة دون تحديد مكان أو على الأقل زمن ممارسته ، فمما جاء في الحكم رقم 237 في ملف رقم 2616/04 الصادر بتاريخ 17 يناير 2005 ما يلي : " و حيث أن طلب صلة الرحم طلب في محله و يتعين الاستجابة له وفقا لقانون مدونة الأسرة ... حكمت المحكمة ... على المدعى عليها بتمكين المدعي من صلة الرحم مع ابنه مرة واحدة كل أسبوع " .
[7] - تعرف المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي لسنة 1985 حول الأوجه المدنية للاختطاف الدولي للأطفال ، لنقل غير المشروع للأطفال بأنه : " كل انتهاك لحق الحضانة الممنوح لشخص أو مؤسسة أو أي جهاز آخر بواسطة قانون الدولة التي كان يقيم فيها الطفل بصفة اعتيادية مباشرة قبل نقله أو عدم إرجاعه "، كما تعرفه المادة 7 من الاتفاقية المغربية الإسبانية بشأن التعاون القضائي و الاعتراف و تنفيذ المقررات القضائية في مادة الحضانة وحق الزيارة ، الموقع عليها بتاريخ 30 ماي 1997، كما يلي : " ... كل نقل تم خرقا المقرر قضائي صدر حضوريا و أصبح قابلا للتنفيذ فوق التراب الدولة الطالبة ... أو لحق الحضانة الممنوح للأب وحده أو للأم وحدها بمقتضى الدولة التي ينتمي إليها " .
[8] - تنص المادة 477 من القانون الجنائي المغربي على ما يلي : " إذا صدر حكم قضائي و كان نهائيا أو نافذا بصفة مؤقتة ، فإن الأب أو الأم أو أي شخص يمتنع عن تقديم القاصر لمن له الحق في المطالبة بذلك، و كذلك إذا اختطفه أو غرر به و لو دون تدليس أو عنف أو حمل غيره على التغرير به أو اختطافه ممن عهد إليه بحضانته أو من المكان الذي وضعه فيه ، فإنه يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة و غرامة من مائة و عشرين إلى ألف درهم ، أم إذا كان مرتكب الجريمة قد حرم من الولاية الأبوية على القاصر فإن الحبس يمكن يصل إلى ثلاث سنوات " .

[1] - تنص المادة 121 من مدونة الأسرة على أنه : " في حالة عرض النـزاع بين الزوجيـن على القضاء وتعذر المساكنة بينهما ، للمحكمة أن تتخذ التدابير المؤقتة التي تراها مناسبة بالنسبة للزوجة و الأطفال تلقائيا أو بناء على طلب ، و ذلك في انتظار صدور الحكم في الموضوع ، بما فيها اختيار السكن مع أحد أقاربها أو أقارب الزوج ، و تنفذ تلك التدابير على الأصل عن طريق النيابة العامة " .
[2] - سورة الطلاق، الآية:8.
[3] - الشيخ عارف البصري : نفقات الزوجة في التشريع الإسلامي ، الدار الإسلامية ، ص : 16.
[4] - من خلال الصياغة المرنة للمادة 119 من مدونة الأسرة يعطي المشرع للمحكمة المختصة سلطة تحديد مشتملات النفقة و قدرها على ضوء متطلبات الحياة ، بما يكفل إشباع الحاجات العادية و الضرورية لمستحقيها .
[5] - قرار صادر عن غرفة الأحوال الشخصية في ملف رقم 7236/88 بتاريخ 03/04/1990 منشور بمجلة الإشعاع عدد 5 ص :185 .
[6] - إن النص على اللجوء إلى الخبرة لتحديد مبلغ النفقة ، لا يعتبر جديدا في مدونة الأسرة اللهم ما يتعلق بالإحالة عليها باللفظ الصريح ، لأن الفصل 119 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة كان ينص على أنه :" و يستند في تقديرها ( النفقة ) لمن يعينه القاضي " ، كما سبق للمجلس الأعلى أن قضى في أحد قراراته بأنه : " يجب على المحكمة قبل أن تحكم على الزوج بنفقة الزوجة أن تأمر بإجراء بحث حول وضعية الزوج المالية و حالة الزوجة الاجتماعية و إلا تعرض حكمها للنقض " ، قرار عدد 134 الصادر بتاريخ 12/07/1972 ، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 25 ص : 143 .
[7] - سورة الطلاق ، الآية : 6 .
[8] - ابن جزي : القوانين الفقهية ، مكتبة الرشاد الدار البيضاء ص : 146
[9] - حكم عدد 193 بتاريخ 29/03/2005 ( غير منشور ) .
[10] - ابن رشد : مرجع سابق ، ص : 71-72 .
[11] - حكم رقم 515 في ملف عدد 431/05 ( غير منشور ) ، مع الإشارة إلى أن المطلقة حسب الوقائع الواردة فيه غير حامل حتى تستحق النفقة أثناء العدة .
[12] - سورة البقرة ، الآية : 236 .
[13] - سورة الأحزاب ، الآية : 49 .
[14] - يرى المالكية أن المتعة تقدر بالنظر الى حال الزوج فقط و لا يدخل في تقديرها حال الزوجة ، حيث إذا كان الزوج غنيا و زوجته فقيرة فإن المتعة تقدر باعتبار حاله و لا ينظر فيها لحال الزوجة ، لأن الزوج مادام هو الذي تسبب في الطلاق فعليه أن يؤدي لها متعة تخفف عنها الضرر الذي أصاب من جراء ذلك الطلاق ، كما أن المتعة في رأي المالكية تستحقها الزوجة فقط عندما يكون الزوج هو المبادر إلى إيقاع الطلاق .
[15] - في الفقه المالكي المسألة فيها تفصيل ، حيث يجب التمييز عادة بين مجرد الحضانة و خدمة المحضون كنشاطين مختلفين ، يقول ميارة الفاسي في هذا الشأن : " ... قولهم لا أجرة للحاضنة على المشهور معناه لا أجر لها على مجرد الحضانة ، و أما خدمتها للمحضون كطبخ طعامه و طحن دقيقه و غسل ثيابه فإن لها الأجرة على ذلك ، و لهذا زاد الشيخ بعد قوله و لا شيء للحاضن فتنبيه به على أن عدم استحقاقها للأجرة إنما هو إذا لم يكن لها عمل سوى الحضانة وحدها ، و هي النظر في مصالح ذات المحضون   كما تقدم ... " ، شرح ميارة على تحفة الحكام ، دار الفكر بيروت ، ص : 20 .
[16] - حق الكد و السعاية يجري به العمل في مناطق سوس، أكادير، تزنيت، كلميم، ورزازات، تارودانت، أسفي، حيث ان المحاكم فيها استأثرت بنسبة مهمة من القضايا المعروضة عليها بهذا الخصوص، حول هذا الموضوع انظـر: الملكي الحسيـن: من الحقوق الماليـة للمـرأة نظـام الكـد و السعايـة، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 001 .
[17] - عبد الكبير العلوي المدغري : المرأة بين أحكام الفقه و الدعوة إلى التغيير ، طبعة 1999 ص : 197.
[18] - أحمد اليعقوبي : حق الطفل في التعليم : أية حماية ؟ ، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص ، كلية الحقوق فاس ، السنة الجامعية 2002/2003 ص : 76 .
[19] - الأب ملزم بالإنفاق على ابنه حتى قبل ميلاده بأدائه نفقة مطلقته الحامل كما سبقت الإشارة إلى ذلك سابقا عند حديثنا عن نفقة الزوجة المطلقة .
[20] - أحمد الخميلشي : مرجع سابق ، ص : 260 –261
[21] - تنص المادة 194 على أنه : " تجب نفقة الزوجة على زوجها لمجرد البناء و كذا إذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد إليها " .
[22] - ابن جزي : مرجع سابق ، ص : 120 .
[23] - يميز الفقه الإسلامي بخصوص انتهاء الحضانة بين الذكر و الأنثى ، فبالنسبة للذكر تنتهي ببلوغه إما الأنثى فتمتد إلى حين دخول الزوج بها ، و هو ما كان ينص عليها الفصل 102 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، الذي عدل بالمادة 166 من مدونة الأسرة بنصها على أنه : " تستمر الحضانة إلى بلوغ سن الرشد القانوني للذكر و الأنثى على حد سواء " ، حيث كرس من خلالها المشرع مبدأ المساواة بين الجنسين على هذا المستوى .


المبحث الثاني : تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال

إن المشرع المغربي في المواد المنظمة لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال المحضونين لم يكتفي فقط بالحرص على تنظيمها نظريا، بل تجاوز ذلك إلى النص على مجموعة من الضمانات القانونية الكفيلة بتفعيلها عمليا، من خلال تخويله للمحكمة المختصة إمكانية اتخاذ ما تراه ضروريا من وسائل و إجراءات لتنفيذ الحكم البات فيها     ( المطلب الأول )، و التي تواجهها من الناحية الواقعية بعض الصعوبات تقتضي ضرورة تجاوزها انسجاما مع طبيعة و خصوصية الحقوق الرامية إلى حمايتها ( المطلب الثاني ).

ا



0 commentaires:

إرسال تعليق

المحاضرات mp3

للتحميل المحاضرات على صيغة mp3
المرجو استعمال هذا الموقع
يكفي ان تضعوا رابط المحاضرة من يوتيب و تحميل المحاضرة
http://www.clipconverter.xyz/

f

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More