Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

Follow by Email

Derniers sujets

المشاركات الشائعة

الجمعة، 20 مارس 2015

مسطرة الشقاق في ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي جـ2 - بحث إجازة






القسم الثاني : آثار الطليق للشقاق على حقــوق أفــــراد الأســــرة

نظرا لكون آثار الحكم بالتطليق للشقاق لا تقتصر فقط على الزوجين، وإنما تمتد لتشمل ما تنسل منهما من أطفال، فإن من الضوابط الأساسية المقيدة لسلطة المحكمة في تفعيلها لمسطرة الشقاق، ضرورة مراعاة حقوق جميع أفراد الأسرة ضمن الحكم الصادر بالتطليق، و التي تتمثل طبقا للمادة 97 من مدونة الأسرة في حقوق الزوجة المطلقة والأطفال و كذا حق الزوج في التعويض عند الاقتضاء، مع الاشار إلى قابلية هذا الحكم للطعن في جزئه المتعلق بالمستحقات الماليـة طبقـا للإجراءات العـاديـة ( المادة 88 من المدونة).
و بنـاء عليـه سنقسـم هذا القسـم إلى فصليـن كالأتـي :

الفصل الأول : حقـوق الزوجـة المطلقـة و الأطفـال .

الفصل الثاني : حـق الـزوج في التعويـض عن التطليـق للشقـاق .




الفصل الأول : حقـوق الزوجــة المطلقـة و الأطفـــال

تستأثر حقوق الزوجة المطلقة و الأطفال باهتمام المشرع المغربي في المدونة الجديدة للأسرة، ليس فقط بعد صدور الحكم بالطلاق أو التطليق في الدعاوي الرامية إلى طلب ذلك، بل حتى أثناء سريانها من خلال تخويله للمحكمة عند الاقتضاء سلطة اتخاذ ما تراه مناسبا من تدابير مؤقتة لفائدتهم ( [1]) .
ومن تطبيقات الحماية القانونية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال، أن المحكمة المختصة بتطبيق مسطرة الشقاق ملزمة طبقا للمادة 97 من المدونة بتحديد و تقدير مستحقاتهم في الحكم المتضمن للتطليق للشقاق ( المبحث الأول )، و التي يتوقف استيفاؤهم لها على تفعيل الحماية القضائية المضمنة فيه ( المبحث الثاني ).

المبحــث الأول : مستحقــــــات الزوجــــة و الأطفــــــال

يعتبر تحديد و تقدير مستحقات الزوجة و الأطفال في دعاوي التطليق للشقاق انطلاقا من المواد المنظمة لها في مدونة الأسرة، من المواضيع التي تقتضي اجتهاد المحكمة في إطار السلطة المخولة لها، لأجل جمع الأدلة و العناصر الضرورية التي تمكنها من القيام بذلك، نظرا لكثرة الإحالات بشأنها في تلك المواد و تشتتها في ثناياها، إضافة إلى أن طبيعة و خصوصية الحقوق الأسرية يجعلان من الصعب الفصل بين الجوانب المادية و المعنوية في كل ما يتعلق بمستحقات الزوجة  المطلقـة ( المطلب الأول ) و مستحقات الأطفال ( المطلب الثاني ).

المطلــب الأول : مستحقــات الزوجـــة المطلقــة

لقد أثارت حقوق الزوجة المطلقة في ظل التطبيق القضائي لمدونة الأحوال الشخصية الملغاة، نقاشا فقهيا و قضائيا نتيجة الصعوبات القانونية و الواقعية التي كانت تحول دون الاستفادة منها، حيث إن تنظيمها لم يكن يتلاءم مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيش فيه، مما دفع العديـد من المنظمات النسائيـة     والجمعيات الحقوقية إلى رفع شعار تحسين وضعية المرأة بشكل عام، و المطالبة بضرورة إنصاف الزوجة المطلقـة وتمكينها من كافة حقوقهـا الأساسية بشكـل خاص، انطلاقا من تعديل ومراجعة النصوص القانونية المرتبطة بها، و هو ما استجاب له المشرع المغربي في مدونة الأسرة.
فمستحقات الزوجة المطلقة مضمونة ومنظمة بمقتضى المادة 97 التي تحيل على المادة 84 المحددة لمشتملاتها، والمرتبطة بدورها من حيث تطبيقها بمواد أخرى من نفس المدونة، لذلك فالقضاء يجد نفسه حيالها أمام لوحة متشابكة من الحقوق، يتعين عليه الحرص ما أمكن على حسن قراءتها، وهي تتمثل طبقا للمادة 84 أعلاه في مؤخر الصداق أو ما يصطلح عليه في الفقه الإسلامي بالكالئ، إضافة إلى النفقة       والسكنى أثناء العدة والمتعة.
ونظرا لكون حق الزوجة المطلقة في الصداق المؤخر لا يطرح أمام القضاء الأسري أي إشكال قانوني أو واقعي، مما يفسر عدم الالتفات إليه في معظم الأحكام القضائية التي أصدرها في الموضوع،   فإننا سوف نقتصر في دراستنا لمستحقات الزوجة المطلقـة في دعـاوي الشقـاق على حقها في النفقـة و السكنى ( الفقرة الأولى ) وحقها في المتعة ( الفقرة الثانية ).


الفقرة الأولى : حق الزوجة المطلقة في النفقة و السكنى أثناء العدة

إن النفقة تكليف مادي يجب على الزوج نحو زوجته بمستوى الكفاية، حيث إن مناط التكليف بها الزوجية مطلقـا سواء كانت نفقة زواج أو نفقـة عدة الطلاق، فقد اتفق الفقهاء في جميع المذاهب الإسلامية على وجوبها و إن اختلفوا في معايير تحديدها، ذلك أنه إذا كان الأصل في الفقه الإسلامي أن النفقة تقدر بالاعتماد على الوضعية المالية للزوج انطلاقا من قوله تعالى: ) لينفق ذو سعة من سعته ) ( [2] ) ، فإن الاختلاف يكمن في مدى مراعاة حال الزوجة كذلك ( [3]) .
ونظرا للطابع المعيشي لمشتملات نفقة الزوجة المطلقة، والمتمثلة طبقـا للمادة 189 من مدونة الأسرة في الغذاء والكسـوة والعلاج وما يعتبر من الضروريات ( [4]) ، فقد أحاطها المشرع في هذه المـادة بالعديد من الضمانات الأساسيـة، تتعلق بالمعايير    والعناصر الواجب مراعاتها من طرف المحكمة عند تقريرها لها، وهي التوسط ودخل الملزم بها ( الزوج ) و حال الزوجة و مستوى الأسعار و الأعراف و التقاليد السائدة في الوسط الذي تفرض فيه، وذلك تحقيقا للغاية من سنها ورعيا لمبدأ لا ضرر ولا ضرار.
فهذه العناصر تستأنس بها المحكمة أثناء تقديرها لنفقة الزوجة المطلقة بناء على ما خوله لها القانون من سلطة تقديرية في هذا الإطار، والتي سبق للمجلس الأعلى أن خولها لقضاة الموضوع كما جاء ف قراره الآتي: » أن المطلوبة في النقض لما تركت أمر تحديد النفقة التي تطالب بها إلى المحكمة، تكون قد طبقت القانون خاصة فصل المدونة 119 الذي لا يتعارض مع الفصلين 3 و32 من ق.م.م، و قضاة الموضوع لهم الصلاحية في تحديد قدر النفقة بعد أن تتوفر لهم العناصر الدافعة إلى اعتبار الأسعار وعادات أهل البلد وأهل الطرفين، كما أنهم غير مجبرين بالأخذ بالقدر المطالب به، إذ بوسعهم الحكم بأقل منه أو أكثر « ( [5]) .
ولإضفاء نوع من الموضوعية في تقرير نفقـة الزوجـة المطلقة، يتعيـن على المحكمـة أن تراعـي طبقـا للمادة 190من المدونة تصريحات الطرفين و حججهما، كدخل الملزم بالنفقة كيفما كان مصدره وظيفـة أو فلاحـة أو تجـارة أو عمل أو ريع أي منقول أو عقار، وأن تطالبهمـا بالإدلاء بما يثبت ادعائهما، والتعرف على الحالة الاجتماعية للزوجة و عن موقف كل طرف من تصريح الطرف الآخر، حيث إذا ثبت للمحكمة وجود تضارب في تصريحاتهما حول الدخل وتعذر عليها معرفة الدخل الحقيقي الذي يمكن على ضوئه تقدير مبلغ النفقة لفائدة الزوجة المطلقة خلال عدتها، يمكن لها أن تستعين بالخبراء في هذا الإطار   كحل تشريعي انفتح المشرع من خلاله على مجالات أخرى ترتبط بالواقع، على اعتبار أن الخبرة تعتبر إجراء من إجراءات التحقيق المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية ( [6]) .
بعد هذه التوطئة، يجدر بنا التأكيد على أنه رغم كون النفقة تعتبر من مستحقات الزوجة المطلقة طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة، فإنها تسقط عن كاهل الزوج بمجرد الحكم بالتطليق للشقاق من طرف المحكمة، لأن هذا النوع من الطلاق يقع بائنا حسب المادة 122 منها التي جاء فيها: » كل طلاق قضت به المحكمة فهو بائـن، إلا في حالتي التطليق للايلاء وعدم الإنفاق « ، لذلك فهي لا تستحق أية نفقة إلا إذا كانت حاملا لقوله تعالى: ) و إن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ( ( [7]) ويقول بن جزي الفقيه المالكي الأندلسي : » المطلقة إذا كانـت رجعية فلها النفقـة في العـدة، وان كانت بائنة فليس لها نفقـة إلا إذا كانت حامـلا « ( [8]) ، و هذا ما أكدته المادة 196 من المدونـة الجديدة بنصهـا على أن: » المطلقة طلاقا بائنا إذا كانت حاملا تستحق نفقتها إلى أن تضع حملها، و إذا لم تكن حاملا يستمر حقها في السكنى فقط إلى أن تنتهي عدتها « ، بمعنى أن المطلقة غير الحامل في الطلاق البائن الذي يحكم به القضاء كما هو الشأن بالنسبة للتطليق بسبب الشقاق، يبقى من حقها فقط الاستمرار في السكنى خلال فترة العدة، ببقائها في بيت الزوجة أو للضرورة في مسكن ملائم لها و للوضعية المادية للزوج يهيئ لها لهذه   الغاية، بحيث إذا تعذر ذلك حددت المحكمة تكاليف السكن في مبلغ يودعه الزوج كذلك ضمن المستحقات بكتابة الضبط، أما النفقة فإنها تسقط عن كاهله، حيث جاء في الحكم القضائي الصادر عن قسم قضاء الأسرة التابع للمحكمة الابتدائية بالحسيمة ما يلي: » ... وحيث أن التطليق للشقاق هو طلاق بائن، وحيث أن الزوجة غير الحامل في الطلاق البائن يسقط حقها في النفقـة حسب مقتضيات المـادة 196 من مدونة الأسرة، الأمر الذي يتعين معه رفض طلبها بخصوص هذا الشق ... « ([9]) .
ويقول ابن رشد الحفيـد بخصـوص سكنـى المبتوتـة ونفقتهـا مـا يـلي : » ... و اختلفوا – أي الفقهاء – في سكنى المبتوتة و نفقتها إذا لم تكن حاملا على ثلاثة أقوال : أحدهما أن لها السكنى و النفقة و هو قول الكوفيين، و القول الثاني أنه لا سكنى لها و لا نفقة و هو قول أحمد و داود وأبي ثور وإسحاق وجماعة، والثالث أن لها السكنى ولا نفقة وهو قول مالك و الشافعي وجماعة، وسبب اختلافهم هو اختلاف الرواية في حديث فاطمة بنت قيس و معارضة ظاهر الكتاب له، فاستدل من يوجب لها نفقة و لا سكنى بما روي في حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت: " طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله   عليه وسلم فأتيت النبي صلى الله عليـه وسلم، فلم يجعل لي سكنى و لا نفقة " أخرجه مسلم، و في بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما السكنى والنفقة لمن لزوجها عليها الرجعة "، وهذا القول مروي عن علي و ابن عباس و جابر بن عبد الله، و أما الذين أوجبوا لها السكنى دون النفقة فإنهم احتجوا بما رواه مالك في موطئه من حديث فاطمة المذكور فيه: " فقال رسول الله صلى الله عليه    وسلم : " ليس لك عليه نفقة " : و أمرها أن تعتد في بيت أم مكتوم و لم يذكر فيها إسقاط السكنى، فيبقى على عمومه في قوله تعالى: ) اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ( وصاروا إلى وجوب النفقة لها لكون النفقة تابعة لوجوب الإسكان في الرجعة و في الحامل و في نفس الزوجية بالجملة، فحيثما و جبت السكنى في الشرع وجبت النفقة، وروي عن عمر أنه قال في حديث فاطمة هذا، لا ندع كتاب نبينا و سنته لقول امرأة، يريد قوله تعالى: ) اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ( ، ولأن المعروف من سنته عليه السلام أنه واجب النفقة حيث تجب السكنـى، فذلك الأولـى فـي هذه المسألـة أن يقال لها الأمريـن جميعـا ... « ( [10]) .
وبذلك يكون المشرع المغربي في مدونة الأسرة قد تبنى رأي الإمام مالك بخصوص استحقاق المطلقة طلاقا بائنا حق السكنى فقط دون حقها في النفقة خلال فترة العدة، لكون الطلاق البائن ينهي الزوجية حالا بمجرد وقوعه، عكس الطلاق الرجعي الذي تبقى فيه مستمرة إلى حين انتهاء عدة المطلقة مما يجعلها تستحق فيه النفقة و السكنى معا.
لكن إذا كان التوجه العام الذي تأخذ به جل أقسام قضاء الأسرة عدم استحقاق المطلقة بسبب الشقاق للنفقة، كما تؤكد ذلك العديد من الأحكام القضائية الصادرة في الموضوع، فإن هناك من يحدوا عنه كما هو الشأن بالنسبة لقسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية تاونات، حيث يجعل النفقة أثناء العدة من ضمن المستحقات التي يحكم بها لفائدة الزوجة المطلقة في دعاوي الشقاق، فمما جاء في الحكم القضائي الصادر عنه بتاريـخ 05/10/2005 ما يلي : » ... حول النفقة أثناء العدة :
وحيث أن نفقة المطلقة تبقى في مال مطلقها فترة عدتها مع اعتبار حاله و قد ارتأت المحكمة تحديدها في مبلغ 9000 درهم ... « ( [11]) .

الفقـــرة الثانيــــة : حــــق الزوجـــة المطلقــة في المتعــة

تعد المتعة من الحقوق الماليـة التي تحكم بها المحكمة لفائـدة الزوجة المطلقـة، جبرا لخاطرها و تعويضا لها عما لحقها من ضرر معنوي بسبب انحلال العلاقة الزوجية عن طريق الطلاق أو التطليق ، حيث تجد سندها الشرعي في قولـه تعالـى : ) لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة  ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنيـن وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ( ( [12]) ، و قوله تعالى: ) يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المومنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن مـن عدة تعتدونـها فمتعوهـن وسرحوهن سراحا جميلا ( ( [13]) ، ذلك أنه إذا كان المذهب المالكي بالخصوص يترك للزوج حرية منح المتعة لزوجته المطلقة حسب إرادته، إن شاء تطوع و إن شاء امتنـع على اعتبار أنها مندوبة و ليست واجبـة في حق كل مطلقـة، إلا التي تطلق قبل الدخول     وقد سمي لها صداقها لأن نصف الصداق الذي تستحقه يقوم مقام المتعة، فإنها في مدونة الأسرة تكتسي طابعا إلزاميا، باعتبارها من مشتملات مستحقات الزوجة المطلقة طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة، حيث تراعي المحكمة في تقديرها عدة عناصر منها فترة الزواج و أسباب الطلاق وحـال الزوجة إضافة إلى الوضعية المالية للزوج ( [14]) ، مع مراعاة مسؤولية الزوج المتسبب في الشقاق الذي أدى إلى تفكك الأسرة، و ذلك تكريسا لطابعها التعويضي لفائدة الزوجة المطلقة، حيث تنص المادة 84 أعلاه على أنه: » ... و المتعة التي يراعي في تقدرها فترة الزواج و الوضعية المالية للزوج، و أسباب الطلاق ، و مدى تعسف الزوج في توقيعه ... « كما تنص كذلك المادة 97 من المدونة على أن المحكمة عند حكمها بالمستحقات تراعي مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدر ما يمكن أن تحكم به على المسؤول لفائدة الزوج الآخر، لكن التساؤل الذي يطرح بإلحاح في هذا الصدد : كيف يمكن الحكم بالمتعة لفائدة الزوجة رغم ثبوت مسؤوليتها في الشقاق الذي أفضى إلى الحكم بالتطليق؟
من الإشكاليات العملية التي أسفر عنها التطبيق القضائي لمدونة الأسرة بخصوص التطليق للشقاق، أن الزوجة قد تتقدم بالدعوى وعند إجراء المحكمة لمحاولات الصلح بين طرفي النزاع، يتبين لها أنها هي التي ساهمت بشكل مباشر فيما قد يترتب عنه من آثار تؤدي إلى تفكك الأسرة، ومع ذلك تحكم لها بالمتعة رغم الأضرار المادية و المعنوية التي تصيب الزوج من جراء ذلك، وإن كان القانون بالمقابل يخول له حق المطالبة بالتعويض   مما يعكس التناقض الحاصل في مدونة الأسرة على هذا مستوى، حيث كيف يمكن للشخص نفسه أن يكون دائنا ومدينا في نفس الدعوى؟ لذلك يبقى الحل في اعتقادنا تحقيقا للعدل و الإنصاف جعل مبلغ المتعة بسيط جدا يكون له بعد رمزي أكثر منه تعويضي، فقط حفاظا على طابعها الإلزامي الذي يدفع المحكمة إلى الحكم بها في إطار احترام القضاء لمبدأ سيادة القانون.
هذه إذن هي أهم المستحقات التي يحكم بها لفائدة الزوجة المطلقة في دعاوي الشقاق طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة، أما باقي حقوقها الأخرى الغير المنصوص أو المحال عليها في هذه المادة، كأجرة الرضاع أو الحضانة و ما يتبعها من أجـرة   ومصاريف ( [15]) ، فإن عدم الالتفات إليها من طرف المحكمة يرجع إما لطابعها التبرعي أو لكون الحكم بها يتوقف على تقديم طلب بشأنها أمام القضاء، إضافة إلي أن البعض الآخر تستفيد منه المطلقة لارتباط حقها بحق المحضون كما هو الشأن بالنسبة للحق في السكنى، وعموما يبقى للمحكمة المختصة في إطار السلطة المخولـة لها كامل الصلاحية في تحديد و تقدير المستحقات الزوجة المطلقة طبقا للقانون، و في ضوء الوقائع المعروضة عليها و المعطيات المتوفرة لديها.
أما بخصوص مسألـة ضرورة مراعـاة القضاء لحق الكـد والسعاية الواجـب للمرأة كحق من حقوقها المالية الجاري به العمل في بعض المناطق المغربيـة ( [16]) ، نشيـر إلي أن التـردد و التضارب الذي انتاب العمـل القضائي بشأنـه، إضافة إلى الغموض الذي يعتريه داخل المجتمع المغربي، و ما تترتب عن ذلك من دعوة بعض المنظمات النسائية إلى وجوب الاعتراف للمرأة المطلقة بحقها في الاستفادة من نصف ما تم اكتسابـه خلال فترة الحياة الزوجيـة ( [17]) ، كل هذا دفع المشرع في المادة 49 من مدونة الأسرة إلى تنظيم الذمة المالية للزوجين، حيث يعتبر الأصل فيها طبقا لنظامها القانوني الاستقلال أي : أن لكل منهما ذمته المالية المستقلة عن الآخر إذ لا ولاية للزوج على مال زوجته و العكس صحيح، و استثناء يجوز لهما   في إطار النظام التعاقدي للأموال المشتركة المسموح به قانونا، الاتفاق على كيفية تدبير الأموال التي سيكتسبانها أثناء قيام الزوجية عن طريق استثمارها أو توزيعها، و يضمن هذا الاتفاق في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج لإضفاء الحجية عليه كوسيلة إثبات، يمكن الرجوع إليها عند الاقتضاء من طرف الزوجين معا أو أحدهما خاصة في حالة قيام نزاع بينهما حول تلك الأموال، و إلا يرجع عند انعدام العقد المالي إلى القواعد العامة للإثبات، مع مراعاة عمل كل واحد منهما و ما قدمه من مجهودات و تحمله من أعباء في سبيل تنمية أموال الأسرة.
ورغم أهمية أحكام هذه المادة فإن المشرع لم ينص على ضرورة مراعاتها من طرف المحكمة عند تحديدها لمستحقات الزوجة.

المطلـــب الثانـي : مستحقـــات الأطفـــــال

مما لا شك فيه أن الأطفال إن وجدوا يشكلون الضحية الأكثر تضررا من جراء انحلال العلاقة الزوجية، لذلك فقد بادر المشرع المغربي إلى تنظيم حقوقهم في المدونة الجديدة للأسرة، تكريسا و تتويجا للتوجه الذي نحاه بخصوص تغزيز حماية حقوق الطفل و مركزه القانوني خاصة في حالة تفكك الأسرة، ذلك أن المحكمة المختصة في قضايا التطليق للشقاق ملزمة قانونا قبل الحكم بالتفريق بين الزوجين -   وعلى غرار مستحقات الزوجة – تحديد وتقدير مستحقات الأطفال.
ويلاحظ أن هذه المستحقات طبقا للمـادة 84 التي تحيل على المادتيـن 168       و190 من مدونة الأسرة ، تتحدد في حق الطفل المحضون في النفقة و السكنى ( الفقرة الأولى )، و الحال أن حقه في الرعاية الأسرية الذي يؤطر باقي حقوقه الأخرى المادية والمعنوية، يقتضي ضرورة تمتيعه وإحاطته بالرعاية الأبوية كمظهر من مظاهرها بعد انحال العلاقة الزوجية ( الفقرة الثانية ).




الفقرة الأولى : حق الطفل المحضون في النفقة و السكنى

من الالتزامات المالية المترتبة بسبب القرابة واجب انفـاق الآباء على أبنائهـم، حيث تنص المادة 197 من مدونة الأسرة أن: » النفقة على الأقارب تجب على الأولاد للوالدين وعلى الأبوين لأولادهما طبقا لأحكام هذه المدونة « ، فالطفل المحضون يستحق على أبيه نفقة معيشته وتغذيته وكسوته و تمريضه و كل ما يتطلبه نموه وتربيته وتعليمه، مع مراعاة حال أبيه المنفق وعوائد المجتمع والوضعية المعيشية والتعليمية التي كانوا عليها قبل الحكم بالتطليق للشقاق، ضمانا لحقهم المكتسب في العيش الكريم والتعلم الملائم واللائق، خاصة إذا كان الطفل يتابع دراسته في مؤسسة من مؤسسات التعليم الحر الذي يتطلب مصاريف إضافية تختلف تماما عن مصاريف التعليم العمومي المتسم بالمجانية، ذلك أن الأباء ملزمين نحو أبنائهم قدر المستطاع بتهييىء الظروف الملائمة لمتابعة دراستهم حسب استعدادهم الفكري        والبدني، قصد تأهيلهم للحياة العملية و العضوية النافعة في المجتمع « ( [18]) .
وتتحدد فترة نفقة الأطفال بمقتضى المادة 198 من مدونـة الأسرة من الميـلاد إلى بلوغه سن الرشد ( [19]) ، مع إمكانيـة تمديدها لأحد الأسبـاب الآتيـة : الدراسة، الزواج، الإعاقة، و العجز عن الكسب، حيث إذا كان الطفل يتابع دراسته فإنفاق أبيه عليه يستمر إلى حين بلوغه سن الخامسة و العشرين، بمعنى أن النفقة تتوقف عنه قانونـا بمجرد بلوغه هذا السـن و لو كـان لا زال يتابع دراستـه، الأمر الذي لا يتناسب مع ما يجري به العمل من كون الدراسة الجامعية خاصة منها العليا ينتهي منها الطالب أو الطالبة في الغالب بعد ذلك السن، و لحسن الحظ أن الناس لا يسايرون القانون في حياتهم الواقعية بخصوص إنفاقهم على أبنائهـم يتابعون دراستهم الجامعية، لذلك كان حريا بالمشرع أن يقرن توقف الأب عن نفقة أبنائه بعد انتهاء دراستهم، شريطة أن يكونوا جديين فيها غير مكتفين بشهادة التسجيل السنوية ( [20]) ، و بالنسبة للفتاة فإن نفقتها على أبيها تستمر إلى حين زواجها ، إذ تجب النفقة على الزوج بالدخول أو الدعوى إليه ( [21]) ، و في جميع الأحوال تجب نفقة الأب على أبنائه العاجزين عن الكسب أو المصابين بإعاقة، بحيث إذا كان العجز كليا الزم بكل النفقة أما إذا كان جزئيا لحصولهم على دخل غير كاف كمنحة جامعية، فالأب يتحمل الجزء الباقي من النفقة حسب تقرير المحكمة وفقا لظروف وملابسـات كل قضيــة ووضعيـة الطرفي ـ ن، وبخصوص الأطفال المصابين بإعاقة فإن النص على إلزام الأب صراحة بالإنفاق عليهم يندرج في إطار تكريس حقهم الطبيعي في الحماية القانونية الخاصة، باعتبارهم من ذوي الاحتياجات الخاصة التي يسعى المشرع إلى تمتيعهم بها في كل الفروع القانونية.
وإذا كانت هذه المقتضيات التي تتضمنها مدونة الأسرة بخصوص نفقـة الأبنـاء، لا تثير أي إشكال متى كان الأب المحكوم عليه قادرا على تنفيذ واجباته نحوهم، فإن وجه الصعوبة يكمن في حالة عجزه عن القيام بذلك، خاصة و أن المادة 188 من نفس المدونة تنص على أنه: » لا تجب على الإنسان نفقة غيره إلا بعد أن يكون له مقدار نفقة نفسه وتفترض الملاءة إلى أن يثبت العكس « ، لذلك حماية لحقوق الأطفال المحضونين فإن مسؤولية الإنفاق عليهم تنتقل استثناء إلى الأم إذا كانت موسرة، حيث تنص المادة 199 من المدونة على ما يلي: » إذا عجز الأب كليا أو جزئيا عن الإنفاق   على أولاده و كانت الأم موسرة، و جبت عليها النفقة بمقدار ما عجز عنه الأب « ، لكـن التسـاؤل الذي يطـرح في هذا الصدد : ما مصير الأبناء في حالة عجز الأم هي الأخرى عن الإنفاق عليهم بسبب عسرها ؟
الأكيد أن معظم المشاكل التي تواجه الأطفال في سنهم المبكرة، وتجعل منهم ضحايا مختلف أشكال الاستغلال و سوء المعاملة سببها الحاجة والإهمال الأسري، نظرا لعدم قدرة الأبوين على الوفاء بالتزاماتهما تجاههما ،سيما في حالة انفصالهما عن بعضهما نتيجة الطلاق أو التطليق، لذلك مادامت الدولة طبقا للمادة 54 من مدونة الأسرة مسؤولة عن اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأطفال و ضمان حقوقهم و رعايتهم حسب القانون، نتساءل لماذا لم تبادر إلى إحداث صندوق التكافل العائلي الذي من شأنه أن يحل العديد من المشاكل المرتبطة بقضايا الأسرة، خاصة في حالة عجز الأبوين عن الاتفاق على أبنائهما بعد الانحلال علاقتهما الزوجية ؟
إضافة إلى ما سبق فإن من واجبات النفقة طبقا للمادة 171 من مدونة الأسرة توفير سكن لائق للمحضون، الذي كان يعتبر في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة عنصرا من عناصر النفقة على المشهور في المذهب المالكي، حيث يقـول ابن جزي ما يلـي : » ... كراء المسكن للحاضنة و المحضونون على والدهم في المشهـور، وقيل تؤدى حصتها من الكراء ... « ( [22]) ، فالأب ملزم بتهييئ لأولاده محلا لسكناهم سواء كان بيت الزوجية أو مسكن آخر يعد لهذا الغرض، و إذا تعذر ذلك عليه أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه، و ذلك بشكل مستقل عن باقي التزاماته المالية، و في جميع الأحوال لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكناه ( المادة 168 من مدونة الأسرة )، حيث تظل الزوجة الحاضنة تشغل هي و أبنائها ذلك المسكن خلال فترة الحضانة ( [23]) ، و نفس هذا المقتضى ينص عليه القانون المصري في الفقرتين الأولى و الرابعة من المـادة 18 مكرر ثالثا من المرسوم بمثابة قانون رقم 25 لسنة 1929 المعدلة بقانون 100 لسنة 1985، حيث جاء فيها : » على الزوج المطلق أن يهيئ لصغاره من مطلقتـه و لحاضنتهم المسكن المستقل المناسب، فإذا لم يفعل خلال مدة العدة استمروا في شغل مسكن الزوجية المؤجر دون المطلق مدة الحضانة ... فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود إلى المسكن « .
ولأجل ضمان توفير سكن لائق و مناسب للأطفال ، يمكن للمحكمة طبقا للمادة 172 و في إطار السلطة المخولة لها لحماية حقوقهم أن تستعين بمساعدة اجتماعية تتولى مهمة مراقبة موقع و طبيعة سكن الحاضن، و ما يوفره للمحضون من الحاجيات الضرورية سواء المادية منها أو المعنوية، باعتبار السكن مكـان للراحـة والاستقرار   وفضاء طبيعي للتربية و التنشئة الاجتماعية ، حيث تقوم بإنجاز تقرير مفصل حول ذلك تحيله على المحكمة التي انتدبتها لاتخاذ ما تراه مناسبا، إلا أنه في ظل غياب إطار قانوني ينظم عمل المساعدة الاجتماعية، من خلال تحديد صلاحياتها ومسؤولياتها كما هو معمول به في بعض القوانين المقارنة، فإن مقتضيات المادة 172 من مدونة الأسرة تظل معطلة كما يؤكد ذلك واقع العمل القضائي.

الفقرة الثانية : حـق الطفـل المحضـون في الرعايـة الأبوية

تمثل الأسرة بالنسبة للطفل إطـارا اجتماعيا يـزوده بعناصر التنشئة و التكوين والأمان، وهي عناصر متداخلة يتوقف نموه السليم و المتكامل على تفاعلها، حيث إن
انحلال العلاقة الزوجية يحرمه من حقه في الأسرة، مع كل ما يترتب عن ذلك من حرمانه من العيش في فضاء أسري تبنى على أساسه شخصيته المتزنة في جميع جوانبها النفسية و العقلية و السلوكية ( [1]) ، ذلك أن العديـد من الدراسات التي أنجزت حول الوضعية الصعبة التي تعيشها بعض الأطفال أكدت أن سببها الرئيسي يكمن في حرمانهم من حقهم في الأسرة نتيجة التفكك الأسري ( [2]) .

فالطفل في ظل الوضع الأسري الذي يعيشه بعد انفصال أبويه عن بعضهما بسبب التطليق للشقاق، يحتاج إلى العناية و الرعاية الأبوية التي تلبي حاجياته و تجنبه المخاطر التي قد يتعرض لها نتيجة ذلك ، خاصة و أنه لازال في طور النمو و يفتقد للمناعة الذاتية التي تحميه من كل ما من شأنـه أن يؤثـر سلبا على بقائه و نمائـه، لذلك فقد بادر المشرع المغربي إلى تنظيم حقوقه و الحرص على ضمان احترامها، كما يتجلى ذلك من خلال المقتضيات المنظمة للحضانة و تنظيم حق الزيارة في مدونة الأسرة، حيث أحاط ذلك بالعديد من الضمانات يؤطرها مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، تماشيا مع تعاليم الإسلام الحنيف التي تعتبر المعيار الأكثر ملاءمة في مجال أحكام الفضيلة المنظمة للعلاقات الأسرية خاصة في شقها المتعلق بعلاقة الأباء مع أبنائهم، وكذلك انفتاحا على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل الصادرة سنة 1989 في إطار ملاءمة القوانين الداخلية مع مقتضياتها ( [3]) ، إذ تنص في المادة الثالثة على أنه : » في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال ، سواء قامت بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة، أو المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية ، يولى الاعتبار الأول لمصلحة الطفل الفضلى « .
إن حضانة الطفل انطلاقا من المبدأ العام المؤطر لحقوقه، تعني في جوهرها رعايته وتربيته و مايته، حيث عرفها الفقيه ابن عرفة بقوله: » ... حفظ الولد في مبيته ومؤونته و طعامه و لباسه و مضجعه و تنظيف جسمه ... « ( [4]) ، و نفس هذا التعريف تقريبا أورده المشرع في المادة 163 من مدونـة الأسرة بنصهـا على أن : » الحضانة حفظ الولد مما قد يضره و القيام بتربيته و مصالحه « ، و الحضانة تسند مبدئيا طبقا للشرع   والقانون إلى الأم ( [5])، باعتبارها أشفق على المحضون و أصبـر وأقدر على القيام بجميع شؤونه الضرورية التي يعجز عنها بسبب صغر سنه، من تغذية و فراش و نظافة وتمريض، إضافة إلى توجيـهه وإعداده للحياة بكل تشعباتهـا، ذلك أنه إذا كان الأصل في الحضانة مصلحة المحضون فإنها بالنسبة للحاضنة يتداخل فيها الحق بالواجب، لذلك يتعين عليها القيام بقدر الإمكان بكل الإجراءات اللازمة لحفظه و سلامته في جسمه ونفسه، إلى حين بلوغه سن الرشد الذي تنتهي فيه الحضانة أو تفضيله الانفصال عنها بعد بلوغ السن الخامسة عشرة من عمره طبقا للمادة 166 من مدونة الأسرة.
وحتى يتأتى للطفل المحضون الاستفادة من حقه الكامـل في الرعايـة الأبويـة، يجب الحفاظ ما أمكن على استمرارية روابطه مع أبويه ومحيطه العائلي، لما في ذلك من إشباع لحاجيات العاطفية و المعنوية التي هو في أمس الحاجة إليها في ظل الوضع الأسري الذي يعيشه، حيث تنص المادة التاسعة من اتفاقية حقوق الطفل في فقرتها الثالثة على أنه: » تحترم الدول الأطراف حق الطفل المنفصل عن والديه أو عن أحدهما في الاحتفاظ بصورة منتظمة بعلاقات شخصيـة و اتصالات مباشرة بكلا والديـه، إلا إذا تعـارض ذلك مع مصالح الطفـل الفضلى « ، ذلك أن الطرف الذي حرم بمقتضى القانون من حق الحضانة، يبقى له طبقا لنفس القانون في زيارة ابنه خلال فتـرات تحدد مبدئيا بناء على اتفاق الأبويـن، أو عند الاقتضاء بتدخل من القضاء الذي يبادر في قرار إسناد الحضانة إلى ضبط وقت و مكان إجراء الزيارة، مع إمكانية تضمينه شرط عـدم السفـر بالمحضون خارج المغرب دون موافقة نائبه الشرعي، حيث تتولى النيابة العامة تبليغ مقرر المنع إلى الجهات المختصة لاتخاذ ما تراه مناسـبا من إجراءات لضمان تنفيذه، و كل ذلك تراعي فيه المحكمـة ظـروف الأطراف و الملابسات الخاصة بكل قضية تجنبا لكل تحايل في التنفيذ ( [6])، ذلك أن من الإشكاليات العملية المرتبطة بحقي الحضانة والزيارة – خاصة في إطار الزواج المختلط - ما يصطلح عليه بالاختطاف أو النقل غير المشروع للأطفال ( [7]) ، فبعد الحسم في مسألة الحضانة بإسنادها إلى أحد الأبوين، يعمد الطرف الآخر إلى تحايل الفرص لأجل لانفراد بالطفل أثناء ممارسته لحقه الطبيعي والقانوني في زيارته، لارتكابه فعله المجرم قانونا عن طريق نقله بطريقة غير مشروعة إلى مكان أو بلد آخر غير المكان أو البلد الذي يقيم فيه من له حق حضانته ( [8]) ، حيث يصبح الطفل في هذه الحالة وسيلة للضغط و الانتقام و تصفية الحسابات بين الأبوين.
ولأجل تعزيز حق الطفل في الرعاية الأبوية تنص المادة 185 من مدونة الأسرة على أن صلة الرحم لا تنقطع بمجرد وفاة أحد والديه ، بل تستمر بحلول جده أو جدته من جهة أبيه أو أمه، لكن رغم أهمية هذا المقتضى فإنه يبدو غير ملائم مع العادات   والتقاليد السائدة في المجتمع المغربي بخصوص الروابط العائلية ، حيث كان حريا بالمشرع أن يشمل حق الزيارة جميع أقارب المحضون وفق ما تقضيه مصلحته الفضلى، وذلك انسجاما مع التوجه المعمول به في بعض القوانين المقارنة من تعويض مصطلح السلطــة الأبويــة ( Puissance Paternelle ) بولايـة القرابــة      ( L'autorité Parentèle )، كمـا فـي القانـون الهولنـدي ( تعديـل 1970 )   والقانون السويسري ( تعديل 1972 و 1976 ) و القانـون الفرنسـي الصادر في 04/06/1974 الذي ينص في مادته السادسة على أنه: » في جميع النصوص التي وردت فيها عبارة السلطة الأبوية تعوض بولاية القرابة « ، ذلك أن   الهدف من ذلك إخضاع الطفل في كل ما يتعلق بتربيته و حمايته إلى سلطة الأبوين معا رغم التطليق الحاصل بينهما، أو في حالات أخرى إلى سلطة أحد أفراد العائلة إذا كانت مصلحته تقتضي ذلك، إضافة إلى جعل الصلاحيات المرتبطة بولاية القرابة محدودة، حيث إن القانون يتدخل لحماية مصالح الأطفال حتى ضد أبويهم.
عموما فالحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال طبقا للمقتضيات القانونية المنصوص عليها في مدونة الأسرة، تبقى قاصرة إذا لم يتم تفعيلها.


[1] - محمد كرادة : الحق في الأسرة :محاولة في التأسيس و الحماية ، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق بفاس السنة الجامعية 2002/2003 ص : 116 .
[2] - عبد الرحمان مصلح الشرادي : انحراف الأحداث في التشريع المغربي والمقارن ، مطبعة الأمنية الرباط الطبعة الأولى 2002 ص :33، وعلي محمد جعفر: حماية المخالفين للقانون و المعرضين لخطر الإنحراف، مؤسسة مجد للدراسات والنشر والتوزيع الطبعة الأولى 2004 ص: 77.
[3] - محمد ناصر متيوي : موقع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في النظام القانوني المغربي ، المجلة المغربية للإدارة المحلية و التنمية : عدد 54-55 2004 ص : 192 .
[4] - أشار إليه محمد الكشبور في : أحكام الحضانة – دراسة في الفقه المالكي و في مدونة الأسرة – الطبعة الأولى   2004 ، ص : 16 .
[5] - يتمثل السند الشرعي لحق الأم في الحضانة في ما رواه ابن عمر من أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه و سلم فقالت : " يا رسول الله هذا ابني كان بطني له وعاء و حجري له حواء وثدي له سقاء و إن أباه طلقني و أراد أن ينتزعـه مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلـم : " أنت أحق به ما لم تنكحي " أخرجه أبو داود كتاب الطلاق حديث رقم 2276، أما السند القانوني فيتجلى في المادة 171 في مدونة السرة التي تجعل الأم في مقدمـة ترتيب الحاضنيـن .
[6] - رغم أهمية المقتضيات التي جاءت بها مدونة الأسرة بخصوص تنظيم حق الزيارة ،فإن القضاء الأسري لازال ينتابه التردد بشأن تفعيلها ، كما يتضح ذلك من خلال الأحكام القضائية الصادرة عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية فاس ، حيث نجده تارة يحدد اليوم و الوقت الذي يمارس فيه ، كما هو الشأن بالنسبة للحكم رقم 3099 في ملف رقم 829/2004 الصادر بتاريخ 27 يونيو 2005 ، حيث ورد فيه : " يحكم على المدعى عليها ... تمكين المدعي ... من ابنته قصد صلة الرحم بها يوم الأحد في كل أسبوع من الساعة التاسعة صباحا الى غاية الخامسة مساء ... " ، و تارة أخرى يكتفي فقط بتقرير حق الزيارة دون تحديد مكان أو على الأقل زمن ممارسته ، فمما جاء في الحكم رقم 237 في ملف رقم 2616/04 الصادر بتاريخ 17 يناير 2005 ما يلي : " و حيث أن طلب صلة الرحم طلب في محله و يتعين الاستجابة له وفقا لقانون مدونة الأسرة ... حكمت المحكمة ... على المدعى عليها بتمكين المدعي من صلة الرحم مع ابنه مرة واحدة كل أسبوع " .
[7] - تعرف المادة الثالثة من اتفاقية لاهاي لسنة 1985 حول الأوجه المدنية للاختطاف الدولي للأطفال ، لنقل غير المشروع للأطفال بأنه : " كل انتهاك لحق الحضانة الممنوح لشخص أو مؤسسة أو أي جهاز آخر بواسطة قانون الدولة التي كان يقيم فيها الطفل بصفة اعتيادية مباشرة قبل نقله أو عدم إرجاعه "، كما تعرفه المادة 7 من الاتفاقية المغربية الإسبانية بشأن التعاون القضائي و الاعتراف و تنفيذ المقررات القضائية في مادة الحضانة وحق الزيارة ، الموقع عليها بتاريخ 30 ماي 1997، كما يلي : " ... كل نقل تم خرقا المقرر قضائي صدر حضوريا و أصبح قابلا للتنفيذ فوق التراب الدولة الطالبة ... أو لحق الحضانة الممنوح للأب وحده أو للأم وحدها بمقتضى الدولة التي ينتمي إليها " .
[8] - تنص المادة 477 من القانون الجنائي المغربي على ما يلي : " إذا صدر حكم قضائي و كان نهائيا أو نافذا بصفة مؤقتة ، فإن الأب أو الأم أو أي شخص يمتنع عن تقديم القاصر لمن له الحق في المطالبة بذلك، و كذلك إذا اختطفه أو غرر به و لو دون تدليس أو عنف أو حمل غيره على التغرير به أو اختطافه ممن عهد إليه بحضانته أو من المكان الذي وضعه فيه ، فإنه يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة و غرامة من مائة و عشرين إلى ألف درهم ، أم إذا كان مرتكب الجريمة قد حرم من الولاية الأبوية على القاصر فإن الحبس يمكن يصل إلى ثلاث سنوات " .

[1] - تنص المادة 121 من مدونة الأسرة على أنه : " في حالة عرض النـزاع بين الزوجيـن على القضاء وتعذر المساكنة بينهما ، للمحكمة أن تتخذ التدابير المؤقتة التي تراها مناسبة بالنسبة للزوجة و الأطفال تلقائيا أو بناء على طلب ، و ذلك في انتظار صدور الحكم في الموضوع ، بما فيها اختيار السكن مع أحد أقاربها أو أقارب الزوج ، و تنفذ تلك التدابير على الأصل عن طريق النيابة العامة " .
[2] - سورة الطلاق، الآية:8.
[3] - الشيخ عارف البصري : نفقات الزوجة في التشريع الإسلامي ، الدار الإسلامية ، ص : 16.
[4] - من خلال الصياغة المرنة للمادة 119 من مدونة الأسرة يعطي المشرع للمحكمة المختصة سلطة تحديد مشتملات النفقة و قدرها على ضوء متطلبات الحياة ، بما يكفل إشباع الحاجات العادية و الضرورية لمستحقيها .
[5] - قرار صادر عن غرفة الأحوال الشخصية في ملف رقم 7236/88 بتاريخ 03/04/1990 منشور بمجلة الإشعاع عدد 5 ص :185 .
[6] - إن النص على اللجوء إلى الخبرة لتحديد مبلغ النفقة ، لا يعتبر جديدا في مدونة الأسرة اللهم ما يتعلق بالإحالة عليها باللفظ الصريح ، لأن الفصل 119 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة كان ينص على أنه :" و يستند في تقديرها ( النفقة ) لمن يعينه القاضي " ، كما سبق للمجلس الأعلى أن قضى في أحد قراراته بأنه : " يجب على المحكمة قبل أن تحكم على الزوج بنفقة الزوجة أن تأمر بإجراء بحث حول وضعية الزوج المالية و حالة الزوجة الاجتماعية و إلا تعرض حكمها للنقض " ، قرار عدد 134 الصادر بتاريخ 12/07/1972 ، مجلة قضاء المجلس الأعلى عدد 25 ص : 143 .
[7] - سورة الطلاق ، الآية : 6 .
[8] - ابن جزي : القوانين الفقهية ، مكتبة الرشاد الدار البيضاء ص : 146
[9] - حكم عدد 193 بتاريخ 29/03/2005 ( غير منشور ) .
[10] - ابن رشد : مرجع سابق ، ص : 71-72 .
[11] - حكم رقم 515 في ملف عدد 431/05 ( غير منشور ) ، مع الإشارة إلى أن المطلقة حسب الوقائع الواردة فيه غير حامل حتى تستحق النفقة أثناء العدة .
[12] - سورة البقرة ، الآية : 236 .
[13] - سورة الأحزاب ، الآية : 49 .
[14] - يرى المالكية أن المتعة تقدر بالنظر الى حال الزوج فقط و لا يدخل في تقديرها حال الزوجة ، حيث إذا كان الزوج غنيا و زوجته فقيرة فإن المتعة تقدر باعتبار حاله و لا ينظر فيها لحال الزوجة ، لأن الزوج مادام هو الذي تسبب في الطلاق فعليه أن يؤدي لها متعة تخفف عنها الضرر الذي أصاب من جراء ذلك الطلاق ، كما أن المتعة في رأي المالكية تستحقها الزوجة فقط عندما يكون الزوج هو المبادر إلى إيقاع الطلاق .
[15] - في الفقه المالكي المسألة فيها تفصيل ، حيث يجب التمييز عادة بين مجرد الحضانة و خدمة المحضون كنشاطين مختلفين ، يقول ميارة الفاسي في هذا الشأن : " ... قولهم لا أجرة للحاضنة على المشهور معناه لا أجر لها على مجرد الحضانة ، و أما خدمتها للمحضون كطبخ طعامه و طحن دقيقه و غسل ثيابه فإن لها الأجرة على ذلك ، و لهذا زاد الشيخ بعد قوله و لا شيء للحاضن فتنبيه به على أن عدم استحقاقها للأجرة إنما هو إذا لم يكن لها عمل سوى الحضانة وحدها ، و هي النظر في مصالح ذات المحضون   كما تقدم ... " ، شرح ميارة على تحفة الحكام ، دار الفكر بيروت ، ص : 20 .
[16] - حق الكد و السعاية يجري به العمل في مناطق سوس، أكادير، تزنيت، كلميم، ورزازات، تارودانت، أسفي، حيث ان المحاكم فيها استأثرت بنسبة مهمة من القضايا المعروضة عليها بهذا الخصوص، حول هذا الموضوع انظـر: الملكي الحسيـن: من الحقوق الماليـة للمـرأة نظـام الكـد و السعايـة، الجزء الثاني، الطبعة الأولى 001 .
[17] - عبد الكبير العلوي المدغري : المرأة بين أحكام الفقه و الدعوة إلى التغيير ، طبعة 1999 ص : 197.
[18] - أحمد اليعقوبي : حق الطفل في التعليم : أية حماية ؟ ، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص ، كلية الحقوق فاس ، السنة الجامعية 2002/2003 ص : 76 .
[19] - الأب ملزم بالإنفاق على ابنه حتى قبل ميلاده بأدائه نفقة مطلقته الحامل كما سبقت الإشارة إلى ذلك سابقا عند حديثنا عن نفقة الزوجة المطلقة .
[20] - أحمد الخميلشي : مرجع سابق ، ص : 260 –261
[21] - تنص المادة 194 على أنه : " تجب نفقة الزوجة على زوجها لمجرد البناء و كذا إذا دعته للبناء بعد أن يكون قد عقد إليها " .
[22] - ابن جزي : مرجع سابق ، ص : 120 .
[23] - يميز الفقه الإسلامي بخصوص انتهاء الحضانة بين الذكر و الأنثى ، فبالنسبة للذكر تنتهي ببلوغه إما الأنثى فتمتد إلى حين دخول الزوج بها ، و هو ما كان ينص عليها الفصل 102 من مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، الذي عدل بالمادة 166 من مدونة الأسرة بنصها على أنه : " تستمر الحضانة إلى بلوغ سن الرشد القانوني للذكر و الأنثى على حد سواء " ، حيث كرس من خلالها المشرع مبدأ المساواة بين الجنسين على هذا المستوى .


المبحث الثاني : تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال

إن المشرع المغربي في المواد المنظمة لحقوق الزوجة المطلقة و الأطفال المحضونين لم يكتفي فقط بالحرص على تنظيمها نظريا، بل تجاوز ذلك إلى النص على مجموعة من الضمانات القانونية الكفيلة بتفعيلها عمليا، من خلال تخويله للمحكمة المختصة إمكانية اتخاذ ما تراه ضروريا من وسائل و إجراءات لتنفيذ الحكم البات فيها     ( المطلب الأول )، و التي تواجهها من الناحية الواقعية بعض الصعوبات تقتضي ضرورة تجاوزها انسجاما مع طبيعة و خصوصية الحقوق الرامية إلى حمايتها ( المطلب الثاني ).

المطلب الأول : وسائل و إجراءات تنفيذ الحكم القضائي المتضمـن لمستحقـات
الزوجــــة و الأطفــــــال

من المؤكد أن الحماية القضائية للحقوق المضمنة في الأحكام و القرارات القضائية الصادرة عن المحاكم – باعتبارها أهم السندات التنفيذية الحائزة لقوة الشيء المقضي به – تظل قاصرة وعاجزة عن تحقيـق العدالة الواقعيـة إذا لم يتم تنفيذهـا، فهذا الأخير يشكل التجسيد الفعلي لمنطوق تلك الأحكام و القرارات بنقلها من مجالها النظري إلى واقعها العملي، بحيث إن الفعالية الكامنة فيها يتوقف تفعيلها على هذه المرحلة بالذات، لذلك أولت الأنظمة القانونية المعاصرة أهميـة بالغة للتنفيذ، بجعله مؤسسة قانونيـة   وقضائية تشـرف على مباشرة إجراءاته طبقا للقانون.
ومهمة التنفيذ التي أناطها المشرع المغربي بجهاز كتابة الضبط تكتسي أهميـة     وخطورة في نفس الوقت ( [1]) ، نظرا للصعوبات القانونية و الواقعية التي تفرزها إجراءاته، والتي تشكل عبئا إضافيا و عقبة في طريق توصل المحكوم لهم بحقوقهـم، حيث يقـول في هذا الإطار محمـد سلام بأن التنفيذ: » يتسـم بالصبغـة القانونيـة والقضائية و نعيشهـا يوميا في الحياة العمليـة بالمحاكـم بكل تشعباتهـا و تعقيداتها معا، لدرجة أصبح العقبة العظمى التي يحسب لها المتقاضون ألـف حساب، سواء كانوا طالبين أو مطلوبين فيه، و كثيرا ما شكل المادة الخام لإلصاق التهم بالمؤسسات القضائية عموما، أو بكتابـة الضبط خاصة تلك التي تهم التأخير والتماطل والتسويف، بل أحيانا التلاعب و التآمر على الحقوق « ( [2]) .
من هذا المنطلق، و نظرا لكون المقتضيات القانونية التي كانت في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة ، لم تكن كافية لضمان تنفيذ الأحكام الصادرة بخصوص مستحقات الزوجة المطلقة والأطفال بالشكل الذي يتناسب مع طبيعتها و خصوصياتها، فقد كان من الضـروري أن يبـادر المشرع المغربـي في إطـار المستجدات التي جاء بها في مدونة الأسرة، إلى سن قواعد خاصة بتنفيذ تلك الأحكام تحقق حماية أفضل لأصحابها، من بينها ما تنص عليه المادة 168 كمــا يلــي :
» لا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون ، على المحكمة أن تحدد في حكمها   الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار تنفيذ الحكم من قبل الأب المحكوم عليه « ، كذلك تنص المـادة 191 على أنه: » تحدد المحكمة وسائل تنفيذ الحكم بالنفقة و تكاليف السكنى على أموال المحكوم عليـه، أو اقتطاع النفقة من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضاه، و تقرر عند الاقتضاء الضمانات الكفيلة باستمرار أداء النفقة ... « .
فالمحكمة طبقا لهذه المقتضيات و هي بصدد البت في المستحقات خاصة المتعلقة بالأطفال، تكون ملزمة حسب صياغة المادتين أعلاه ( تحدد المحكمة و سائـل تنفيذ الحكم ...، على المحكمة أن تحدد في حكمها الإجراءات ...) بتضمين الأحكام القضائية الصادرة بشأن التطليق للشقاق و المتضمنة لها، الوسائل و الإجراءات الكفيلة بضمان تنفيذها و الاستمرار فيه، مثـل الأمر بالتنفيـذ المباشـر علـى أمـوال الأب المحكوم عليه الموجودة في البنك، أو الاقتطاع من منبع الريع أو الأجر الذي يتقاضـاه ( [3]) أو من مدينه كالمكتري، أو حجز بعض أمواله إذا لم ينفذ الحكم داخل فترة من صدوره مادام الحكم حضوريا، حيث يمكن للمحكمة كما كان منصوص عليه في الفصل 435 ق.م.م المعدل أن تطلب من المحكوم عليه تنفيذ الحكم طوعيـا أو تقديم عروض، مع مراعاة أحكام المادتين 458 و 488 من ق.م.م بخصوص الأشياء التي يصرح القانون بعدم قابليتها للحجز.
وتفاديا لأي تماطل أو تحايل في التنفيذ من طرف الأب المحكوم عليه، يمكن للمحكمة عند الاقتضاء أن تقرر بعض الضمانات في الحكم الذي تصدره، مثل تضمين قرار إسناد الحضانة منع السفر بالمحضون إلى خارج المغرب إذا كان هو الحاضن، أو حجز جواز سفره إذا كان مقيما في الخارج، أو استصدار قرارا تمهيديا قبل الحكم بالتطليق للشقاق يأمر الزوج إذا كان مدعيا بإيداع المستحقات بصندوق المحكمة        ( داخل أجل أو بدونه ) وإلا اعتبر متراجعا عن طلبه ، إلى غير ذلك من الضمانات التي يمكن للمحكمة أن تقررها لضمان تفعيل الحماية القضائية لحقوق الزوجة المطلقة والأطفال المقررة ضمن الأحكام التي تصدها و التي غالبا ما تكون مشمولة بالنفاذ المعجل في شقها المتعلق بالنفقة و السكنى.
فهذه المقتضيات الاستثنائية التي يمكن للمحكمة أن تضمنها في الأحكام الصادرة بخصوص مستحقات الزوجة المطلقة والأطفال في دعاوي الشقاق، رغم أهميتها باعتبار أن تفعيلها من شأنه أن يخفف على الأقل من حدة المشاكل القانونية و الواقعية التي تفرزها القواعد العامة للتنفيذ المدني، فإن واقع العمل القضائي يؤكد وجود صعوبات لازالت تعترض تنفيذ تلك الأحكام.
المطلب الثانية : صعوبـات تنفيـذ الحكم القضائي المتضمن لمستحقـات الزوجة المطلقة و الأطفـــال و آليــــات تجاوزهـــــا

تواجه أحكام التطليـق للشقـاق الباتة كذلك في مستحقـات الزوجة المطلقـة      والأطفال – على غرار باقي الأحكام الأخـرى – العديد من الصعوبات أثناء تنفيذها، تختلف من حيث أشكالها و يتدخل فيها ما هو قانوني بما هو اقتصادي و اجتماعي نظرا لخصوصيتها و طبيعتها، ذلك أن الصعوبة في التنفيذ كما يقول أحمد النويضي : » من أكثر الاشكالات المعروضة على القضاء باستمرار، بحيث لا يكاد يخلو ملف تنفيذي من إثارة هذا الإشكال، إلى درجة أصبح معها هذا الموضوع ملفتا للنظر من قبل الفقه و القضـاء على حـد سواء « ( [4]) ، كما يعرفه عبد الله الشرقـاوي بأنـه : » المنازعة القانونية و الواقعية التي يثيرها المهدد بالتنفيذ أو المنفذ ضده ، أو أي طرف يمس التنفيذ بمصالحه بناء على ادعاءات يتمسك بها بحيث لو صحت لأثرت في التنفيذ ، فيصبح التنفيذ جائزا أو غير صحيح أو باطلا يمكن الاستمرار فيه أو يوقف السير فيه « ( [5]) .
فقد تثار تلك الصعوبات قبل الشروع في عملية التنفيذ، خاصة عندما يصدر الحكم غيابيا أي دون حضور الزوج المحكوم عليه ، حيث يتعين و الحالة هذه اللجوء إلى القواعد العامة للتنفيذ الذي يعتبر الأصل فيها طبقا للمادة 440 ق.م.م الاعذار مع التبليغ بنصها : » يبلغ عون التنفيذ إلى الطرف المحكوم عليه   الحكـم المكلف بتنفيـذه، ويعذره بأن يفي بما قضى به الحكم حالا أو بتعريفه بنواياه « ، لأن الأصل في التنفيذ إعطاء المنفذ عليه فرصة القيام بالوفاء اختياريا تفاديا للجوء إلى التنفيذ الجبري، فتبليغ الحكم و الإغدار بالوفاء ضروريان حتى يتأتى لمأمور الإجراءات التنفيذية أن يعرف نية المدين و اتخاذ ما يراه موافقا للقانون، حيث إن تماديه في الامتناع عن التنفيذ رغم كل ذلك يبرر للمحكمة القيام بالتنفيذ الجبري القضائي الذي لا يخلو هو الآخر من صعوبات.
وقد تثار بعد الشروع في التنفيذ حيث تكون الرقابة القضائية لاحقة لذلك، كما إذا طرأت ظروف استثنائية جعلت تنفيذ الإجراءات المنصوص عليها في الحكم القضائي متعذرة مما يتعين تعديله و مراجعته.
ومن تطبيقات ذلك أن المشرع في المادة 183 من مدونة الأسرة، خول للمحكمة إمكانيـة مراجعة و تعديـل تنظيـم حق الزيـارة المقرر باتفاق الأبوين أو بالمقـرر القضائي، إذا استجدت ظروف أصبح معها ضارا بأحد الأطراف أو المحضون، و نفس هذا المقتضى يمكن تطبيقه إذا لمراجعة مبلغ نفقة و أجرة سكن المحضون ... الخ.
وبذلك ففي حالة وجود مثل هذه الصعوبات يمكن للمنفذ له أو نائبه إذا كان قاصرا، أو المحكوم عليه أو العون المكلف بتبليغ و تنفيذ الحكم القضائي، إثارتها أمام رئيس المحكمة الابتدائية أو بالنيابة أمام رئيس قسم قضاء الأسرة التي يجري بدائرتها التنفيذ ( [6]) ، من خلال تقديم مقال استعجالي طبقا للفصل 149 ق.م.م، حيث يقوم رئيس المحكمة أو نائبه باستدعاء الطرفين و الاستماع إليهما شريطة توفر عنصر الاستعجال الذي يتوقف عليه اختصاصه كقاض للمستعجلات ، حيث يمكنه رفض الطلب إذا ثبت له انتفاءه.
ونظرا لحجم المسؤوليات المنوطة برئيس المحكمة الابتدائية سواء الولائية منها أو القضائية، فإن إسناد النظر له في الصعوبات التي تواجه تنفيذ الأحكام الصادرة بخصوص مستحقات الزوجة المطلقة و الأطفال إضافة إلى الأحكام الأخرى قد يشكل عبئا عليه، مما يتعين معه إحداث منصب قاضي التنفيذ في كل قسم من أقسام قضاء الأسرة مستقل عن المحكمة الابتدائية بما يتلاءم مع النظام القضائي المغربي، تكون له مهمة الإشراف الفعال والمتواصل على سائر إجراءات التنفيذ، بدءا من فتح ملف التنفيذ إلى إيصال الحق لصاحبه، بتنسيق مع القائمين به من أعوان التنفيذ و النيابة العامة، خاصة و أن المشرع في إطار وعيه بالمشاكل القانونية و الواقعية التي تفرزها عملية التنفيذ في المجالين المدني و الجنائي، عمل علـى إحـداث منصب قاضي التنفيـذ في القضايـا التجاريـة ( المادة 2 من قانـون إحداث المحاكم التجاريـة )، وقاضي تطبيق العقوبة طبقا لقانون المسطرة الجنائية الجديد، فذلك سيعزز لا محالة الضمانات القانونية و القضائية لحسن تنفيذ مستحقات الزوجة المطلقة و الأطفال المحددة في الأحكام الصادرة بخصوص التطليق للشقاق.

[1] - جـاء في خطاب للمرحوم الملك الحسن الثاني بمناسبة استقباله لأعضاء الحكومة و كبار رجـال القضـاء و المحامين و بعض العدول بتاريخ 21 مارس 1982 ما يلي : " على المغرب أن يجعل من العدل الأساس لحياته اليومية و الأساس لفضيلته التربويـة ... مسؤولية القاضي ليست أجسم من مسؤوليـة كاتب الضبـط ، و مسؤولية المحامي ليس أقل من مسؤولية القاضي ، و مسؤولية التنفيذ هي أعتقد شخصيا أكبر المسؤوليات ... فعدم التنفيذ أو التماطل في التنفيذ يجر المرء إلى تفكير آخر هو انحلال الدولة ... حذار من العدل الظالم ... " .
[2] - محمد سلام : مسطرة التنفيذ الجبري و إجراءاته ، مجلة الملحق القضائي ، العدد 20 ، ص : 97 .  
[3] - من التطبيقات القضائيـة لهذه الإجراءات المرتبطة بتنفيذ الحكم القضائي البـات في مستحقـات الأطفال ، الحكم القضائي الصادر عن قضاء الأسرة بالحسيمة رقم 193 بتاريخ 29/03/2005 ، حيث قضى باقتطاع نفقة الأبناء و أجرة السكن مباشرة من أجر المحكوم عليه ، إلا أن طريقة اقتطاع واجب النفقة من المنبع ، يصادف في بعض الحالات وجود بعض الصناديق:مثل الصندوق المغربي للتقاعد أو الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ، بها نظام الأداءات عند نهاية كل ثلاثة أشهر و ليس في نهاية كل شهر ، و هو ما ينتج عنه عدة مشاكل خاصة عند الدخول المدرسي أو في بعض المناسبات الدينية أو في حالة مرض أحد الأبناء ، فضلا عن كون نظام الأداءات على رأس كل ثلاثة أشهر لا يساعد على برمجة المصاريف اليومية للأطفال .
[4] - أحمـد النويضي : القضاء المغربي و اشكالات التنفيذ الجبري للأحكام ، مطبعـة وراقـة الكتاب بفـاس، الطبعة الأولى مارس 1995 ، ص : 31.
[5] - عبد الله الشرقاوي : صعوبات التنفيذ ، مجلة القضاء و القانون ، عدد 28 ص : 20 .
[6] - محمد النجاري : الاختصاص المكاني في دعاوي إشكالية التنفيذ المؤقتة ، مجلة الملحق القضائي، عدد 22، ص : 155-166 .


الفصل الثاني : حق الزوج في التعويض عن التطليق للشـقـــــــاق

من المفارقات التي تميز قضايا انحلال العلاقة الزوجية عن طريق الطلاق، سواء في ظل التطبيق القضائي لمدونـة الأحوال الشخصية الملغاة أو في مدونة الجديدة للأسـرة، أن الزوج هو الذي يتحمل وحده كامل المسؤولية المادية المترتبة عن الحكم به، من نفقة وأجرة حضانة و متعة بما تكتسيه من صبغة تعويضية لفائدة الزوجة ( [1]) ... الخ ، حيث يتم التغافل عن الحالات الأخرى التي تكون فيها هذه الأخيرة هي التي دفعته إلى طلاقها وما أكثرها في الواقع.
 لذلك مراعاة للعدل و الإنصاف و تكريسا لمبدأ المساواة بين الزوجين في تحمل تبعات تفكك الأسرة متى تبتت مسؤولية أحدهم، كان من الضروري أن يتدخل المشرع المغربي من خلال سنه لمسطرة الشقاق، لإعطاء الزوج الحق في التعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء الحكم بالتطليق عندما تكون الزوجة حسب قناعة المحكمة هي السبب فيه، و ذلك بغض النظر عن الطرف المبادر إلى إثارة تطبيقها سواء كانا معا أو أحدهما فقط طبقا للمادة 94 من مدونة الأسرة.

وبنـاء عليه سنقسـم هذا الفصل إلى مبحثيـن على النحو التالـي :

المبحث الأول : مبدأ تعويض الزوج المتضرر بسبب التطليق للشقاق.

المبحث الثاني : التطبيق القضائي لحق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق.


المبحـث الأول : مبــــدأ تعويــــض الــــزوج المتضرر بسبــــب التطليــــق للشقــــــــاق

للإحاطة بكل الجوانب المترتبطة بحق الزوج في التعويض عن الضرر الذي لحقه جراء الحكم بالتطليـق للشقاق الذي تسببـت فيه زوجتـه، سنتعرض لتأصيـله الفقهـي ( المطلب الأول ) ثم لأساسه القانوني ( المطلب الثاني ).

المطلـب الأول : التأصيـل الفقهـي لحـق الـزوج فـي التعويـض عـن التطليـق للشقــاق

لقد أولى الإسلام عناية فائقة لسلامة الأسرة ودعم استقرارها و الحفاظ على استمراريتها في الزمن، من خلال حثه للزوجين على المعاشرة بالمعروف و تبادل الاحترام و المودة و الرحمة و الحرص على العمل لما فيه خيرها ، حيث يقول تعالى في كتابه العزيز: ) و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة ( ، فالتوجـه الإسلامي المنظم لأحكام الفضيلة المترتبطة بالأسـرة ينبذ كل ما من شأنه أن يفرغ مقاصد و أهداف عقد الزواج من محتواها الشرعي و يعبث بقدسيته، خاصة من خلال الاستهتـار بالعلاقة الزوجية عن طريق المبالغة و التعسف في استعمال حق اللجوء إلى الطلاق أو التطليق حسب الأحوال من طرف أحد الزوجين، أو أن يكون سلوكات و تصرفات أحدهما المتسمة بالتعسف هي التي حملت الآخر على اللجوء إلى ذلك.
فالإسلام من هذا المنطلق يبغض الطلاق بمفهومـه العام و ينفـر المسلميـن منه، بوضع العراقيل أمام الرجل كي لا يقدم على طلاق زوجته منه مثل تحريمه أثناء الحيض أو في طهر جمعها فيه أو وقوعه أكثر من مرة في وقت واحد ... ، كما وعد الزوجة التي تطلب الطلاق من زوجها بدون سبب يبرره   بحرمانها من رائحة الجنة، فقد روي ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم   قال: » أبغض الحلال الى ال عز وجل الطلاق ( [2]) « ، و قـال عليه السلام : » أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بـأس فحرام عليها رائحة الجنة « ( [3]) ، ذلك أن الطلاق في الإسلام غير مطلق بل مقيد بالحاجة إليه، فلا يجوز اللجوء إليه إلا عند الضرورة القصوى التي يراعي فيها حدود الله ، حيث تكون الغاية المتوخاة منه الوقاية من الأضرار التي قد تنشأ عن الاستمرار في علاقة زوجية لا خير يرجى منها، وعلاج للمشاكل القائمة بين الزوجين، إذ أن انحلال العلاقة الزوجية وفق ضوابطه الشرعية يندرج ضمن مبدأ التيسير و رفع الحرج عنهما، مادام أنه يستند على سبب معقول ومقبول شرعا يبعده عن وصف التعسف في استعماله و الكفر بنعمة الزواج ([4]) .
ومما لا يخفى على كل لب حصيف أن الحقوق الممنوحة للأفراد في الشريعة الإسلامية، وسيلة لتحقيق المصالح أو درء المفاسد و ليست غاية في حد ذاتها، حيث إن الفقهاء يجمعون على أنها مقيدة بحدود السلامة بالمجتمع و الأفراد، لذلك فاستعمال أي حق منها رهين بتحقيق الغاية من إقراره وإلا اعتبر تعسفا و انحرافا عن حدوده وعن نطاق مشروعيته، مما يستوجب الضمان لفائدة المضرور عما لحقه من إساءة، استنادا إلى نظرية التعسف في استعمال الحق التي تجد أصولها في الفقه الإسلامي من خلال قاعدة "لا ضرر ولا ضرار ولأن الضرر يزال"، التي يستفاد منها تأكيد الشرع الإسلامي على حظر الأفعال و التصرفات التي تؤدي إلى إلحاق أضرار بالأفراد و لو كانت تستند أحيانا على حق القائم بها، لأن مناط الحظر فيها هو ما تتسبب فيه من أضرار في مواجهة الغير بغض النظر عن كونها مشروعة أم لا ( [5]) .
وهكذا فإن القول الراجح عند الفقهاء أن الأصل في الطلاق الحظر، بحيث إن اللجوء إليه ينبغي أن يكون في إطار الغاية التي شرعه الله من أجلها، بناء على أسباب معقولة ومقبولة من الناحية الشرعية، و لم يحد عن ذلك إلا البعض الذي ذهب إلى اعتبار أن الحق في الطلاق مطلق و غير مقيد بسبب الحاجة إليه، بمعنى أن للرجل حسب أصحاب هذا الرأي الأخير أن يطلق زوجته لمجرد الرغبة في التخلص منهـا، ونفس الشيء بالنسبة للزوجة التي تملك هذا الحق لأي سبب من الأسباب ( [6]) .
عموما يعتبر التعسف في اللجوء إلى الطلاق من طرف أحد الزوجين، مبررا من الناحية الشرعية للحق في الضمان ( التعويض ) لفائدة الزوج الآخر، جبرا لخاطره       وتعويضا له عما لحقه من ضرر من جراء ذلك، حيث يقول الإمام العزالي في هذا الشأن : » و هو مباح ( أي الطلاق ) إذا لم يكن فيه إيذاء بالباطل، و مهما طلقها فقد أذاها ولا يباح إيذاء الغيـر إلا بحاجة من جانبهـا أو ضرورة من جانبـه « ( [7]) ، فهذا القول إذا كان ينطبق على طلاق الزوج لزوجته فإنه بمفهوم المخالفة ينطبق من باب أولى على الطلاق الذي تطلبه الزوجة ضد زوجها، و منه التطليق التعسفي للشقاق كتطبيق من تطبيقاته، كما خلص الفقيه ابن العربي المعافري المالكي الأندلسي في مقابلة منطقية أجراها بين عقود الأموال و عقود الأبدان إلى القول: » ... فأما عقود الأبدان فلا تتم إلا باتفاق و التآلف و حسن التعاشر، فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه، و كانت المصلحة في الفرقة و بأي وجه رأياها ( يقصد الحكمين )، في المتاركة ( أي بدون تعويض ) أو أخذ شيء من الـزوج أو الزوجة ( أي فرض تعويض لفائدة الطرف المتضرر عما لحق به من ضرر ) « ( [8]) .
نافلة القول، أن الإسلام أحاط العلاقة الزوجية بسياج من الضوابط الشرعية التي تنظمها و تحكمها وفق ما تقتضيه مقاصد عقد الزواج و نظامه الشرعي، بحيث إن كل إخلال بها من طرف الزوجة عن طريق تعسفها في اللجوء إلى طلب الطلاق أو التطليق حسب الأحوال، أو أن سلوكاتها المتسمة بالتعسف كانت هي السبب المباشر في الشقاق الحاصل بينها و بين زوجها، اضطر معها هذا الأخير إلى تطليقها، يبرر حق الزوج في التعويض عما لحقه من ضرر في إطار ما يصطلح عليه في الفقه الإسلامي بالضمان الـذي يتأسس في تطبيـق أحكامه على قاعـدة: » لا ضرر و لا ضرار و أن الضرر يزال « .
إذا ثبت ذلك، فما هو الأساس القانوني الذي يبرر حق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق ؟

المطلـب الثانـي : الأسـاس القانونـي لحــق الـزوج في لتعويــض
 عــن التطليــق الشقــــاق

مما لا شك فيه أن التعويض عن الأضرار التي تلحق مقومات الأفراد المادية     والمعنوية، تكتسي أهمية بالغة ليس فقط من حيث   تنظيم سلوكاتهم و تصرفاتهم   داخل المجتمع من خلال حفظ حقوقهم و مصالحهم الخاصة، بل كذلك من حيث إقامة العدالة الاجتماعية التي ترمي إلى إحقاق الحق و رفع الظلم، بما يتطلبه ذلك من تحميل المسؤولة لكل من تسبب في إلحاق ضررا بالغير وإرغامه على تعويضه جبرا لخاطـره ( [9]) .
فقد ازدادت أهميـة الضمان في عصرنا الحاضر نتيجـة تشعب أنماط الحيـاة     وتعقدها و تنوع متطلباتها ، إضافة إلى غلبة المصالح الخاصة على المصالح العامـة و ما ترتب عن ذلك من تزايد حالات الإساءة بالغير، خاصة في ظل تراجع الوازع الديني    وتنامي التحايل على القيم الأخلاقية و الضوابط القانونية سيما في حالة وجود الفراغ القانوني أحيانا ، للعبث بالحقوق و لو تعلقت بحق بغيض عند الله تعالى الذي هو الطلاق أو التطليق حسب الأحوال.
لذلك فإن تحقيق التفاعل بين القانون و الواقع اقتضى تدخل المشرع في المدونة الجديدة للأسرة لتطعيم مقتضياتها بمضامين جديدة، انفتح من خلالها على باقي الفروع القانونية الأخرى خاصة القانون المدني، كما يتضح ذلك من خلال إقراره لحق الزوجيـن في التعويض متى ثبتت مسؤوليـة أحدهما في التطليق للشقـاق، إذ تنص في مادتها 97 على أنه: » في حالة تعذر الإصلاح و استمرار الشقاق تثبت المحكمة ذلك في محضر وتحكم بالتطليق و بالمستحقات ... مراعية مسؤولية كل من الزوجين عن سبب الفراق في تقدير ما يمكن أن تحكم به على المسؤول لفائدة الزوج الآخر « ، حيث إن القانون المغربي بهذا المقتضى يتفاعل مع بعض الأنظمة القانونية   المقارنة التي تقر حق التعويض لفائدة أحد الزوجين في حالات الطلاق ، كالقانون الفرنسي في المادتيـن 242 و280 من القانـون المدني و المادة 700 من القانون الجديد للمسطرة المدنية ( [10]) ، و كذا القانون المصري رقم 25 لسنة 1929 المعدل بقانون 100 لسنة 1985، حيث جاء في مادته العاشرة ما يلي: » إذا عجز الحكمان عن الإصلاح :
أ – فإذا كانت الإساءة كلها من جانب الزوج اقترح الحكمان التطليق بطلقة بائنة دون مساس بشيء من حقوق الزوجة المترتبة عن الزواج و الطلاق.
ب- إذا كانت الإساءة كلها من جانب الزوجة اقترحا التطليق نظير بدل مناسب يقدر أنه تلتزم به الزوجة.
ج- إذا كانت الإساءة مشتركة اقترحا التطليق دون بدل أو ببدل يتناسب مع نسبة الإساءة.
وتجب الإشارة إلى أن التعويض عن انحلال العلاقة الزوجية خاصة عن طريق الطلاق، أثار في البداية خلافا فقهيا و قضائيا يتراوح بين رأيين : الأول يرفضه استنادا إلى ما يسمى بالحق التقديري لصاحبه يمارسه وفق إرادته بحيث لا يوصف بالتعسف في جميع الأحوال، و الثاني يوجبه بدعوى أن الطلاق الذي يتم بدون سبب معقول ومقبول ينطوي في الحقيقة على إساءة في استعمال الحق المخول لصاحبه شرعا و قانون ، مما يلزم معه تعويض المضرور عما لحقه من ضرر ماديا كان أو معنويا ( [11]) .
وعليه بعدما حسم المشرع في مسألة التعويض لفائدة الزوج متى ثبتت مسؤولية الزوجة عن سبب الفراق، و نظرا لكون التعويض يستلزم عنصر الضرر لنشوئه في ذمة المضرور، فإننا نتساءل عن فحوى و طبيعة الضرر الذي يصيب الزوج بسبب التطليق للشقاق ؟
مادام الزوج هو الذي يتحمل كافة الالتزامات المالية المترتبة عن عقد الزواج باعتباره صاحب الحق في القوامة، فإن انحلاله يضر به خاصة عندما تكون الزوجة هي المتسببة فيه، ولو كان هو المبادر مكرها إلى طلبه بفعل سلوكاتها وتصرفاتها المتسمة بالمبالغة والتعسف، حيث يصبح بعد واقعة التطليق في وضعية صعبة من حيث التكاليف والتابعات الناجمة عنها، أو من حيث تربيـة أبنائه بعيـدا عنه، إضافة إلى المشاكل النفسيـة التي قد يعاني منها نتيجة عـدم الاستقرار الأسري الذي يعيشـه، ... الخ، مما يجعل من تلك الواقعة من أبرز المحطات السلبية التي تؤثر على حياة كثير من الأزواج وتغير مجرى حياتهم، و بذلك فالضرر الذي يلحق الزوج من جراء التطليق للشقاق يتداخل فيه ما هو مادي بما هو معنوي ، مما يجعل حقه في التعويض مبررا شرعا وقانونا، لكن ما هو الأساس القانوني الذي يمكن على ضوئه الحكم له به؟ هل على أساس قواعد المسؤولية المدنيـة التقصيريـة؟ أم على أساس نظرية التعسف في استعمال الحق؟
إن التعويض طبقا لقواعد المسؤولية المدنية التقصيرية يقتضي توافر عناصر الخطأ والضرر والعلاقة السببية، حيث ينص الفصل 77 من ق.ل.ع على أنـه:       » كل فعل ارتكبه الإنسان عن بينة واختيار ألزم مرتكبه بتعويض هذا الضرر إذا ثبت أن ذلك الفعل هو السبب المباشر في حصول الضرر « ، كما ينص الفصل 78 منه أيضا على أن: » كل شخص مسؤول عن الضرر المعنوي أو المادي الذي أحدثه لا بفعلـه و لكن بخطئه « ، و بذلك فهذين الفصلين يفصحان عن حكم عام يقرر وجوب التعويض عن كل ما من يأتي فعلا يلحق أضرار بالغير سواء كانت مادية أو معنوية، غير أن الإشكال القانوني الذي يثار بمناسبة تفعيل هذه القواعد يتعلق بصعوبة إثبات العلاقة السببية بين الخطأ والضرر والذي يقع عبؤه على المضرور طالب التعويض ( [12]) ، في حين أن الخطأ لا يتوفر في الحالات التي يستعمل فيها الإنسان حقا له من دون أن يتجاوز الحدود المرسومة لهذا الحق ، حيث جاء في الفصل 94 من ق.ل.ع ما يلي: » لا محل للمسؤولية المدنية إذا فعل شخص بغير الإضرار ما كان له الحق في فعله « ، وذلك باستثناء الحالات الأخرى التي قد يكون فيها استعمال الحق ينطوي على الخطأ، وهذا ما يصطلح عليه في الفقه الإسلامي بالإساءة أو التعسف في استعمال الحق ( [13]) ، الذي يمكن أن ندرج ضمن تطبيقاته المعاصرة تعسف الزوجة في طلب التطليق للشقاق، حيث يمكن للمحكمة في إطار السلطة التقديرية المخولة لها أن تحكم عليها بالتعويض لفائدة زوجها المتضرر من جراء ذلك ، خاصة و أن الفصل 5 من ق.م.م ينص على أنه: » يجب على كل متقاض ممارسة حقوقه طبقا القواعد حسن النية « ، و التعسف في استعمال حق طلب التطليق للشقاق مظهـرا من مظاهر سوء نيـة الزوجة، و التي يمكـن للمحكمة أن تستشفها كذلك حتى عندما يكون الزوج هو المبادر إلى رفع دعوى الشقاق، عندما ترفض الزوجة كل المحاولات الرامية إلى إصلاح ذات البين بينها و بين زوجها ( [14]) .
ويبدو أن نظرية التعسف في استعمال الحق هو التوجه الذي تأخذ به جل أقسام قضاء الأسرة بالمملكة، للحكم بالتعويض لفائدة الزوج   خاصة عندما تكون الزوجة هي المبادرة إلى رفع دعوى التطليق للشقاق ، فمما جاء في الحكم القضائي الصادر عن قسم قضاء الأسرة التابع لابتدائية الحسيمة ما يلي: » ... 2 - في الطلب المقابـل : حيث يهدف المدعى إلى الحكم على المدعى عليها بإبدائها له 40.000 درهم كتعويض عن الضرر اللاحـق به للتعسف الذي لحقه من زوجته طالبة التطليـق، و حيث إن المحكمة استنتجت من خلال ظروف النازلة و ملابساتها أن الزوجة كانت متعسفة في طلب التطليق، خصوصا و أنها لم تثبت ادعائها بأية وسيلة إثبات، و حيث أن المحكمة و بما لها من سلطة تقديرية ترى تحديد التعويض في مبلغ 20.000 درهم ... « ( [15]) .
إن الاستناد إلى نظرية التعسف في استعمال الحق لتأسيس حق الزواج في التعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء طلب زوجته للتطليق، أكثر انسجاما مع قواعد العدل والإنصاف التي تعتبر أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها المدونة الجديدة للأسرة، لكن حق الزوج في التعويض المكرس نظريا يبقى قاصرا إذا لم يتم تفعيله قضائيا.


[1] - من العناصر التي تراعيها المحكمة عند تقديرها لمبلغ المتعة طبقا للمادة 84 من مدونة الأسرة ، مدى تعسف الزوج في الطلاق و كذا مدى مسؤوليته في الشقاق المفضي للحكم بالتطليق ( المادة 97 ) .
[2] - رواه أبو داود في كتاب الطلاق حديث رقم 2178 وابن ماجة والحاكم وصححه.
[3] - رواه أصحاب السنن ماعدا النسائي.
[4] - عبد الرحمان الجزيـري : كتاب الفقه على المذاهـب الأربعة ( قسم أحوال شخصية ) ، المجلد الرابـع، دار إحياء التراث العربي بيروت 1980 ، ص : 296 .
[5] - بدران أبو العينين بدران : الفقه المقارن للأحوال الشخصية بين المذاهب الأربعة السنية و المذهب الجعفري و القانون ، الجزء الأول ( الزواج و الطلاق ) ،طبعة 1967 ، ص : 310 .
[6] - بدران أبو العينين بدران : مرجع سابق ، ص : 311
[7] - نقلا عن المرحوم علال الفاسي : النقد الذاتي ، مطبعة الدار البيضاء ، ص :290 .
[8] - ابن العربي : مرجع سابق ، ص : 176 .
[9] - خديجة عشور : الحماية القانونية للمقومات المادية و المعنوية للشخصية الإنسانية ، أطروحة لنيل الدكتوراه القانون الخاص ، كلية الحقوق أكدال الرباط ، السنة الجامعية 1998/1999 ، ص : 284 .
[10] - Cathelineau . Indemnité exeptionnelle . edition 1994 . P . 148

[11] - بدران أبو العينين بدران : مرجع سابق ، ص : 320 .
[12] - سعدون العامري : تعويض الضرر في المسؤولية التقصيرية ، الجزء الثاني ، منشورات مركز البحوث القانونية بغداد ، ص : 99 .
[13] - مأمون الكزبري : نظرية الالتزامـات   في ضوء قانـون الالتزامات و العقود المغربي ، الجـزء الأول ، ص : 448 – 449 .
[14] - يستفاد من الصياغة الواردة في المادة 97 من الأسرة ، أن المشرع لم يحصر حق الزوج في التعويض على الحالة التي تكون الزوجة فيها طالبة تطبيق مسطرة الشقاق ، بل يمكن للمحكمة أن تحكم له به حتى عندما يكون هو الذي بدر الى رفع الدعوى متى ثبتت لها مسؤولية الزوجة في الشقاق و الفراق .
[15] - حكم رقم 622 ملف رقم 452/04 بتاريخ 15/09/05 ( غير منشور ) .
http://69.59.144.138/icon.aspx?m=blank10:29 - 2009/06/18
معلومات عن العضو
هذا الرد فقط
ردود هذا العضو فقط



المبحــث الثانـي : التطبيــــق القضائـــي لحق الـــزوج في التعويـض عـــــن التطليــــــق للشقاق

لأجل تفعيل الحماية القانونية النظرية لحق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق طبقا لأحكام المادة 97 من مدونة الأسرة، يتعين على المحكمة أن تتثبت من مسؤولية الزوجة في الشقاق و الفراق ( المطلب الأول )   قبل أن تبادر إلى تقدير مبلغ التعويض لفائدة الزوج المتضرر من جراء ذلك ( المطلب الثاني ).
  

المطلب الأول : تحديــد مسؤوليــة الزوجـة في الشقــاق و الفــراق

يعتبر تحديد مسؤولية الزوجة في الفراق والشقاق المفضي إليه، مسألة ذات أهمية بالغة وحساسة، لكونها تعكس وجود تحول على مستوى تعامل القانون          والقضاء مع التبعات المترتبة عن انحلال العلاقة الزوجية، فالمحكمة تقوم بذلك على ضوء ظروف وملابسات كل قضية تخضع لإدارتها ، حيث تتولى فحصها من خلال تقدير سبب الادعاء وموضوعه، باعتبارهما المجموع الواقعي للنزاع المطروح من طرف الزوجين أو أحدهما طبقا للمادة 94 من مدونة الأسرة، والذي يتولد منه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الحق المتضمن في ذلك الادعاء القضائي.
والمحكمة في تحديدها لمسؤولة الزوجة في دعوى الشقاق تقوم بتقدير الواقع بعد إثباته، سواء من جانب الزوجة إذا كانت مدعية أو من جانب الزوج بصفته مدعيا، أو من جانب أحدهما إذا تم عرض النزاع من طرفهما معا، حتى يتأتى لها التأكد من أنه يولد حقا لطالبه أم لا، بحيث إن البحث التقديري الذي تقوم به في هذا الشأن، انطلاقا من السلطة المخولة لها لتوجيه الإجراءات المسطرية لدعوى الشقـاق، ليس بحثا نظريا محضا و إنما هو بحث عملي يستند إلى الواقع و إلى النموذج القانوني الواجب التطبيق على النزاع المطروح لأجل إيجاد حل له ( [1]) .
فالتطليق للشقاق و إن كان حقا مشتركا للزوجين معا، فإنه باعتباره حلا استثنائيا تلجأ إليه المحكمة عند الضرورة القصوى - بعد تعذر الإصلاح و استمرار الشقاق بينهما - في حدود الأخذ بقاعـدة أخـف الضررين، يتعيـن عدم الإصرار على المطالبـة به من طرف الزوجـة بالخصوص إلا في حدوده الموضوعية والغائيـة، وإلا اعتبر تعسفا يستوجب تعويض الزوج المتضرر من جراء ذلك.
عموما فالمحكمة عند تحديدها لمسؤولية المتسبب في الشقاق و الفراق، و نظرا لخصوصية النزاع المعروض عليها، ينبغي أن تعتمد في ذلك معيارين : الأول شخصـي ( ذاتي ) تستند فيه على فحص وتقييـم الظروف والوقائـع الخاصة بكـل قضية، لاستنتاج وجـه التعسف من سوء النيـة والاستهتار بالعلاقـة الزوجية ... الخ، والآخر موضوعي تتجاوز من خلاله إرادة   الخصوم إلى البحث عن غايـة ونتيجة حق اللجوء إلى القضاء لطلب ذلك، على اعتبار أن الحقوق ليست غاية في حد ذاتها وإنما وسيلة لتحقيق المصالح والغايات المتوخاة منها في نطاق الحدود المرسومة لها.
وعليه متى ثبتت للمحكمة مسؤوليـة الزوجة في الشقـاق و الفراق المترتب عنه، انتقلت إلى تحديد مبلغ التعويض الذي تحكم به من بين المستحقات لفائدة الزوج المتضرر.

المطلب الثاني : تقدير التعويـض لفائدة الـزوج المتضرر من   التطليق للشقاق

الأكيد أن الحكم بالتعويض لفائدة الزوج عن الضرر الذي لحقه من جراء التطليق للشقاق الذي تسببت فيه زوجته، يشكل مظهرا بارزا من مظاهر الموازنة بين حقوق الزوجين بعد انحـلال علاقتهما الزوجيـة، كما يجسد توجهـا قانونيـا وقضائيا جديدا يرمي من خلاله المشرع إلى تجاوز التصور التقليدي الذي يحصر مسؤولية تفكك الأسرة في الزوج و حده دون الزوجة.
والتعويض في دعاوي الشقاق رغم طابعه الخاص، فإنه يخضع في تقديره إلى سلطة القضاء التقديرية، شأنه في ذلك شأن التعويض في باقي الدعاوي المدنية الأخرى، فمما جاء في الحكم القضائي الصادر عن ابتدائية الحسيمة و المشار إلى أرقامه سلفا ما يلـي :
» ... و حيث أن المحكمة و بما لها من سلطة تقديرية ترى تحديد التعويض في مبلغ 20000 درهم ... « ( [2]) ، كذلك قضى قسم قضاء الأسرة بصفرو » ... و حيث أن المحكمة و لما لها من سلطة في تقدير التعويض الناتج عن الضرر اللاحق به ( أي الزوج )، ارتأت تحديده وفق ما هو مذكور بمنطوق الحكم ... « ( [3]) ، لكن التساؤل المطروح : ما هي المعايير التي يجب مراعاتها من طرف المحكمة في تقديرها للتعويض؟
إن المشرع في المادة 97 من مدونة الأسرة لم يحدد المعايير التي يمكن للمحكمة أن تستأنس بها عند تحديدها و تقديرها للتعويض الواجب للزوج متى ثبتت مسؤولية زوجته في الفراق و الشقاق المفضي إليه، عكس المتعة التي تكتسي   طابعا تعويضيا حيث تراعـي فيها المحكمة طبقـا للمادة 84 من المدونة حـال الزوجيـن و فتـرة الزواج   و مدى تعسف الزوج في الطلاق أو التطليق، لذلك و حتى يعطى للتعويض المحكوم به لفائدة الزوج صبغته الحقيقية جبر للضرر الذي لحقه، ينبغي تنزيهه عن بعده الرمزي و تجريده من طابعه الجزافـي، من خلال استناد المحكمة في تقديره على معاييـر موضوعية يمكن إجمالها حسب طبيعتها و خصوصياتها فيمـا يلـي :
-                            طبيعة الحق أو المصلحة التي وقع عليها الاعتداء من خلال الحكم بالتطليق للشقاق.
-                            حجم الضرر الذي لحق الزوج من جراء ذلك.
-                            مدى وجود أطفال لدى الزوجين.
-                            الحالة المادية للزوج و الزوجة.
إن تفعيل التعويض انطلاقا من هذه المعايير يشكل ضمانة مهمة لحقوق الزوج المادية منها والمعنوية، و وسيلة للحد من حالات التطليق الشقاق التي تنطوي على تعسف الزوجات في طلبه، بناء على أسباب واهية تنم عن استهتارهن و عبثهن بمصير العلاقة الزوجية التي تربطهن بأزواجهن.

  

خاتمــــــة
فلئن كان التوجه الذي حرص المشرع المغربي على ترسيخه في المدونة الجديدة للأسرة قصد الحد من نسبة الطلاق أو التطليق، تقييد الطلبات الرامية إلى ذلك برقابة وإشراف القضاء تفاديا لكل تعسف أو مغالاة، فإن التطبيق القضائي لمسطرة الشقاق أبان عن محدودية هذا التوجه، نتيجة ارتفاع نسبة التطليق للشقاق منذ دخول المدونة حيز التطبيق إلى الآن، ذلك أن التصور السائد بخصوصها   أنها مسطرة سهلة و مرنة لا تحتاج إلى إثبات للحصول على التطليق، متى وقع التمسك به – خاصة من طرف الزوجة حيث يقتـرن عمليا بحقها مقابل حق الزوج في الطلاق – أمام القضاء،       والحال أنها مسطرة خاصة أراد المشرع من خلالها طبقا للمواد المنظمة لها، تخويل قضاء الأسرة سلطة معالجة بعض الصعوبات التي تواجه   الحياة الزوجية، من خلال تركيزه على تفعيل آليات الوساطة بين الزوجين القضائية منها والغير القضائية، بحيث إن الهاجس الأساسي الذي يطغى على مضامينها الحفاظ ما أمكن على استقرار        وتماسك الأسرة و ضمان استمراريتها، خاصة وأن الحكم بالتطليق طبقا للمادة 70 من المدونة يشكل حلا استثنائيا، لا يجوز للمحكمة اللجوء إليه إلا في حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين ، لما في ذلك من تفكيك للأسرة والإضرار بالأطفال.
هذا إضافة إلى أن من مظاهر سوء فهم المضامين الحقيقية لمسطرة الشقاق كما يتجلى ذلك من خلال تطبيقها، تردد العمل القضائي في مفهوم الشقاق المبرر للتطليـق، بحيث إن عدم تحديده و حصر حالاته تشريعيا أدى إلى جعله يستوعب باقي أسبابه الأخرى، المتمثلة في الضرر و العيب و عدم الإنفاق و الغيبة ... الخ.
لذلك و لأجل استجلاء الغموض الذي يشوب المضامين الحقيقية لمسطرة الشقـاق، و تجاوز العراقيل التي تحول دون تطبيقها السليم بما يتلاءم مع فلسفتها التي تقوم عليها، ينبغي اتخاذ ما يلي :
أولا : العمل على نشر ثقافـة قانونيـة مرتبطة بمضامينها الحقيقية لتجاوز سوء الفهم الذي ينتابها ، ليس فقط لدى عموم المواطنين، ولكن حتى بالنسبة لدى المهتمين   والمهنيين، لأن تحقيق الأهداف المرجوة منها عند التطبيق وفق الروح التي ابتغاها المشرع، لا يمكن أن يتأتى إلا بعد تيسير فهم مضامينها و معرفة كنههـا، و تطبيقها بما يقتضيه التعايش الاجتماعي و الاستقرار الأسري.
ثانيا : تكوين قضاة متخصصين قادرين على حسن تطبيق مسطرة الشقاق ومتشبعين بالفلسفة الحمائية للأسرة، لأجل التوفيق بين تفعيل إجراءات التسوية الودية للنزاع القائم بين الزوجين و الحكم بالتطليق عند الاقتضاء، بما يتلاءم مع ضمان حماية حقيقية لحقوق جميع أفراد الأسرة، لأن المدونة كما أكد ذلك جلالة الملك في خطابه الذي ألقاه بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة الثانية من الولاية التشريعية السابعة للبرلمان، مهما تضمنت من عناصر الإصلاح فإن تفعيلها يظـل رهينا بإيجاد قضاء أسـري عادل وعصري و فعال.
ثالثا : تعزيز آليات الوساطة القضائية بين الزوجين عن طريق استعانة المحكمة بذوي الاختصاص في علم الاجتماع و علم النفس، و الوساطة غير القضائية من خلال إحداث أجهزة متخصصة ومستقلة تتولى القيام بمهمة المصالحة والتحكيم           والوساطة بينهما تعمل بتنسيق مع الجهاز القضائي، وذلك على غرار باقي القضايا خاصة التجارية منها التي أثبتت التجربة نجاعة هذه الأجهزة في تسويتها، وكذا انفتاحا على تجارب بعض الدولة التي عرفت تقدما على مستوى نظام الوساطة الأسرية تنظيرا و تطبيقا.
وعليه اعتبارا لكون مسطرة الشقاق تعتبر من المنظور القانوني مسطرة خاصة لمعالجة الصعوبات التي تواجه العلاقة الزوجية، فإن تطبيقها يجب أن يراعي طابعهـا الوقائي والعلاجي الرامي ألي الحفاظ ما أمكـن على استقـرار وتماسك الأسـرة، باعتبارها ركيزة المجتمع الأساسية وبالتالي هدفا وفاعلا في نفس الآن لتفعيل كافة البرامج والمخططات التنموية التي تضعها الدولة، وفي مقدمتها المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
                             


[1] - نبيل اسماعيل عمر : مرجع سابق ، ص : 383 .
[2] - انظر هامش الصفحتين 54 و 59.
[3] - حكم رقم 53 ملف رقم 867/04 بتاريخ 26/01/2005 .
http://69.59.144.138/icon.aspx?m=blank10:30 - 2009/06/18
معلومات عن العضو
هذا الرد فقط
ردود هذا العضو فقط


لائحة المراجع
أولا: الكتـب العامـة
          1 - باللغـة العربيـة
- ابن العربي: أحكام القرآن، دار إحياء الكتب العربية، المجلد الأول الطبعة الأولى.
- الحطاب: مواهب الجليل على مختصر خليل، الجزء الرابع.
- ابن فرحون: التبصرة/ الجزء الخامس.
- ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، الجزء الثاني.
- ابن جزي: القوانين الفقهية، مكتبة الرشاد الدار البيضاء.
- ابن منظور: لسان العرب، دار المعارف.
- سيد قطب: في ظلال القرآن/ الجزء الخامس، مطبعة إحياء التراث العربي 1961 .
- الشيخ عارف البصري: نفقات الزوجة في التشريع الإسلامي، الدار الإسلامية.
- وهبة الزحيلي: الأسرة المسلمة في العالم المعاصر، دار الفكر المعاصر بيروت،             طبعة 2000 .
- محمود محمد علي: الطلاق بين الإطلاق والتقييد، دار الاتحاد العربي، طبعـة 1398 / 1978 .
- بدران أبو العينين بدران: الفقه المقارن للأحوال الشخصية بين المذاهب الأربعة والمذهب الجعفري والقانون، الجزء الأول (الزواج والطلاق) طبعة 1967 .
- نبيل إسماعيل عمر: سلطة القاضي التقديرية في المواد المدنية والتجارية. دراسة تحليلية وتطبيقية- مطبعة المعارف الإسكندرية 1984 .
- السنهوري: الوسيط في القانون المدني، الجزء الخامس.
- يس محمد يحي: عقد الصلح في الشريعة الإسلامية والقانون المدني- دراسة فقهية، قضائية، تشريعية- دار الفكر العربي 1978 .
- مصطفى السباعي: مدى حرية الزوجين في الطلاق في الشريعة الإسلامية- بحث مقارن- الجزء الثاني، طبعة 1383 هـ / 1962 م.
- محمد بن معجوز المزغراني: أحكام الأسرة في الشريعة الإسلامية وفق مدونة الأحوال الشخصية، الجزء الأول، الطبعة الثانية 1415 هـ / 1994 م.
- علال الفاسي: النقد الذاتي، مطبعة الدار البيضاء.
- مأمون الكزبري: نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي، الجزء الأول.
- أحمد الخمليشي: التعليق على قانون الأحوال الشخصية، الجزء الأول (الزواج والطلاق)، دار نشر المعرفة، الطبعة الثالثة.
- محمد الكشبور: قانون الأحوال الشخصية (الزواج والطلاق)، الطبعة الأولى               1411 / 1991 .
- عبد الحميد أخريف: محـاضـرات في القانون القضـائـي الخـاص،   طبعة 2001 / 2002 .
- محمد بلهشمي التسولي: الطبيعة القانونية لغرفة المشورة، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة الأولى 1422/2002.
- الطيب برادة: الحكم المدني وصياغته.
- محمد الكشيور: أحكام الحضانة- دراسة في الفقه المالكي وفي مدونة الأسرة الطبعة الأولى 2004 .
- عبد الرحمان مصلح الشرادي: انحراف الأحداث في التشريع المغربي والمقارن، مطبعة الأمنية الرباط، الطبعة الأولى 2002 .
- علي محمد جعفر: حماية الأحداث المخالفين إلى القانون والمعرضين لخطر الانحراف، مؤسسة المجد للدراسة والنشر والتوزيع، الطبعـة الأولى 1425 هـ/ 2004 م.
- عبد الكبير العلوي المغري: المرأة بين أحكام الفقه والدعوة إلى التغيير طبعـة 1420 / 1999 .
- الحسين الملكي: من بين الحقوق المالية للمرأة نظام الكد والسعاية، الجزء الثاني   الطبعة الأولى 2001 .
- احمد أبو الوفا: التحكيم بالقضاء وبالصلح، منشأة المعارف، الطبعة الأولى 1964 .
- احمد النويضي: القضاء المغربي وإشكالية التنفيذ الجبري للأحكام، مطبعة وراقة الكتاب بفاس، الطبعة الأولى مارس 1995 .
- محمد الشتوي: الإجراءات الإدارية والقضائية لتوثيق عقد الزواج، المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، أبريل 2005 .
- حسن بويقين: إجراءات التبليغ فقها وقانونا، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة              الأولى 2002 .
- محمد بفقير: مبادئ التبليغ على ضوء قضاء المجلس الأعلى، الطبعـة الأولى 1425 / 2005 .
- سعدون العامري: تعويض الضرر في المسؤولية التقصيرية، الجزء الثاني، منشورات مركز البحوث القانونية بغداد.
- وزارة العدل: الدليل العملي، سلسلة الشروح والدلائل 2004 .
          2 باللغـة بالفرنسيـة
-          ANNIE Babu: Médiation familiale, regarde croisés et perspectives, Erés 1997.
-          FOKKEMA: Mariage Famille en question; édition   CNRSF. 1980.
-          CathelineaU : indemnité exceptionnelle, édition 1994.   

ثانيا: المقالات والندوات واللقاءات الثقافية
          1 المقــالات:
- عبد الصمد خشيع: مسطرة الشقاق على ضوء مدونة الأسرة، مجلة الملف، عدد 7 أكتوبر 2005 .
- الحسن العلمي: مسطرة الشقاق في ظل مدونة الأسرة مجلة المعيار، عدد 32 .
- عبد الله روحمات: الوكالة في صلح الزوجين بين النص القانوني والواقع العملي، مجلة الإشعاع، عدد 27 غشت 2003 .
- محمد ناصر متيوي مشكوري: موقع الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل في النظام القانوني المغربي، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 54 - 55 - 2004 .
- محمد سلام: مسطرة التنفيذ الجبري وإجراءاته، مجلة الملحق القضائي، عدد 20 .
- عبد الله الشرقاوي: صعوبات التنفيذ، مجلة القضاء والقانون عدد 28 .
- محمد النجاري: الاختصاص المكاني في دعاوي إشكالية التنفيذ المؤقتة، مجلة الملحق القضائي، عدد 22 .
- حسن بيوض: صلاحيات النيابة العامة في تفعيل مدونة الأسرة، مجلة المعيار               عدد 32 .
- محمد سلام: أهمية الصلح في النظام القضائي المغربي والمقارن مجلة المحاكم المغربية، عدد 93 مارس / أبريل 2002 .
Marie thèse Meulders- Klein: Les Modes Alternatifs de règlement des conflits en matière   familiale, analyse comparative, Revue internationale de droit comparéN° 2 1997.
- فوزية برج: مسطرة الشقاق ثورة نسائية داخل مؤسسة الأسرة، جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 7927 ، بتاريخ 25 ماي 2005 .
- ادريس الفاخوري: دور الإدارة في عقود الزواج على ضوء مدونة الأسرة، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 7442 .
- رجاء ناجي مكاوي: الطلاق والتطليق القضائي: أي مفاضله بين نظامين لهدم الأسرة، جريدة العلم عدد 18299 ، بتاريخ 23 يونيو 2000 .
2 النـدوات واللقاءات الثقافية:
- ندوة الطرق البديلة لتسوية المنازعات، منشورات جمعية نشر المعلومات القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد 2 - 2004 الطبعة الأولى.
- ندوة: نساء المتوسط وحقوقهن، فاس 30-29-28 . أبريل 2005 .
- الندوة الخاصة بمدونة الأسرة من تنظيم المعهد العالي للقضاء، بمدنتي إفران أيام           16 - 19 يناير 2004 ، ومراكش أيام 23 - 26 فبراير 2004 .
- الحلقة الدراسية حول: مدونة الأسرة ودور الوساطة في تفعيل مسطرة الصلح، تطوان 5 - 6 - 7 - 8 دجنبر 2005 ، منشورات وزارة العدل والمعهد العالي للقضاء بتعاون مع رابطة التربية على حقوق الإنسان.
- ندوة: أزمة القيم ودور الأسرة في تطوير المجتمع المعاصر، سلسلة الدورات، الدورة الربيعية لسنة 2001 - 26 - 27 أبريل، مطبوعات أكاديمية المملكة .

ثالثا: الأطروحات والرسائل الجامعية
- خديجة عاشور: الحماية القانونية للمقومات المالية والمعنوية للشخصية الإنسانية، أطروحة الدكتوراه في القانون الخاص، كلية الحقوق أكدال الرباط، السنة الجامعية 1998 / 1999 .
- محمد كرادة: الحق في الأسرة محاولة في التأسيس والحماية، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق فاس، السنة الجامعية 2002 / 2003 .
- أحمد اليعقوبي: حق الطفل في التعليم: أية حماية؟ بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص، كلية الحقوق فاس، السنة الجامعية 2002 / 2003 .

0 commentaires:

إرسال تعليق

المحاضرات mp3

للتحميل المحاضرات على صيغة mp3
المرجو استعمال هذا الموقع
يكفي ان تضعوا رابط المحاضرة من يوتيب و تحميل المحاضرة
http://www.clipconverter.xyz/

f

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More