Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

Follow by Email

Derniers sujets

المشاركات الشائعة

السبت، 8 يونيو، 2013

مادة القانون الدستوري:


                                                              
                                                                 
                            مادة القانون الدستوري:     
           الباب الأول:       الدولة أسس ومفاهيم أولية.

نقسم هذا الباب كالتالي:

       الفصل الأول:  القانون الدستوري. 
الـفـصـل الثاني:     الـدولـة. 

         الفصل الأول:      القانون الدستوري.

مادة القانون الدستوري تفترض الإحاطة بموضوع الدولة وتدرس تقليديا حسب التقسيم التالي:

        المبحث الأول:  مفهوم القانون الدستوري. 
        المبحث الثاني: خصائص القانون الدستوري وعلاقته بالمؤسسات وباقي القوانين   الأخرى.

 المبحث الأول:   مفهوم القانون الدستوري. 
      المطلب الأول:  القانون، مفهوم ومعاييرالتمييز.


الفقرة الأولى:                   مفهوم القانون


-         مصطلح قانون في اللغة:     " كل مبدأ ثابت ومنظم يقوم على أساس قاعدة كلية عامة ومضطردة. "

-          حسب المجال الفلسفي:  " النظام الذي تسير عليه أمور الكون، حسب نمط رتيب مطرد، والذي يحتم أن يحدث أمر معين كلما توافرت ظروف خاصة". مثلا قانون توالي الليل و النهار، قانون البقاء للأصلح ،  قانون الجاذبية، قانون الطفو على الماء    …..الخ.

-    حسب تعريف "القانون الوضعي" يعني:  "مجموعة القواعد المجردة، العامة، المحايدة والملزمة، التــي تـنظم العـيش داخــل جمـاعــة (أي تــبيــن الحقــــــوق و الــواجبات )، والتي يجب على الكافة احترامها، احتراما تكفله 'السلطة العامة' بالقوة عند الضرورة.


الفقرة الثانية:         التمييز بين القانون الخاص
             والقانون العام


القانون الخاص: ويشتمل كل التنظيمات والنصوص القانونية التي تحمي المصلحة الخاصة داخل الدولة و خارجها؛ كالقانون المدني، الأحوال الشخصية، القانون التجاري، القانون البحري، القانون الجوي، قانون العمل، القانون القضائي الخاص والقانون الدولي الخاص...


القانون العام: هو مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات بين طرفين يكون أحدهما أو كلاهما ممن يملكون السيادة أو السلطة العامة، ويتصرفون بهذه الصفة (السلطوية أو أحد فروعها) ولهذا وصف بأنه قانون إخضاع.

    المطلب الثاني: أصل ومعنى كلمة دستور وظهورالقانون الدستوري.

تعبير '' القانون الدستوري'' كما عرفه الكثير من الأساتذة، يتألف من كلمتين، "القانون"، وقد (سبقت الإشارة لتعريف هذه الكلمة ) ثم ‘‘الدستور".

    أذن ما هو أصل كلمة "دستور" ومعناها اللغوي ثم متى وكيف ظهر "القانون الدستوري". وماذا يعني؟

الفقرة الأولى:         أصل كلمة "دستور" ومعناها اللغوي.

أ = في اللغة العربية :

كلمة الدستور تعني اليوم في  اللغة العربية الأساس و القاعدة ،و تدل في كل الدول العربية  عن ''الوثيقة الدستورية '' التي تضبط تنظيم الحكم و طرق سيره في الدولة.


ب= اللغة الفرنسية:

            تعبير ''الدستور''،  يقابله في اللغة الفرنسية مصطلح 'Constitution  ويعني : التأسيس أو البناء أو التنظيم، ويتسع هذا المعنى اللغوي ليشمل قانونيا، القواعد التي تتصل بالدولة في أساسـها و تكوينها وشكلها.


        الفقرة الثانية:   ظهور القانون الدستوري وتعريفه  .
        
           أ -    ظهورالقانون الدستوري:

 في إيطاليا : بدأ تدريس القانون الدستوري، بإيطاليا، في جامعة فرارة Ferrara سنة 1797،
وكان ذلك من طرف الأستاذ كمبانيوني دي لوزو .
في هذه المرحلة  كان محتواه يندمج ضمن القانون العام ،


و في أواخر القرن الثامن عشر، بادرت الجامعات الإيطالية بتنظيم محاضرات في القانون الدستوري كفرع من فروع القانون ،وكانت مبادرة ميزته  كمادة  ضمن القانون العام.

            و في فرنسا:   كانت   الجمعية الوطنية الفرنسية، تدعو و منذ سنة 1791   إلى تدريس الدستور الفرنسي في المعاهد القانونية،  إلا أنه،  لم يظهر اصطلاح "القانون الدستوري"
DROIT CONSTITUTIONNEL »    « في فرنسا، ،إلا في سنة  1834  ، حينما قرر وزير المعارف آنذاك إنشاء كرسي "القانون الدستوري" في كلية الحقوق  بجامعة باريس. 

ولم يدخل تدريس هذه المادة حيز التنفيذ في دراسة الدكتوراه إلا سنة 1879 وفي برنامج الإجازة بصفة فعلية إلا في  سنة 1899.   ودخلت عبارة « Droit constitutionnel »    اللغة الفرنسية، سنة 1835 بقرار من مجمع فرنسي . و مكن إشعاع  المدرسة الدستورية من إرساء مكانة القانون الدستوري بصورة نهائية في فرنسا .    وبهذا انتشر تدريس المادة  في العالم.




             ب -    تعريف القانون الدستوري.

         نذكر ثلاث معايير في تعريف القانون الدستوري وهي كالتالي: المعيارالأكاديمي و المعيارالشكلي و المعيار الموضوعي،وذلك كالتالي :

         -    المعيارالأكاديمي: العبرة في تعريف القانون الدستوري،طبقا لهذا المعيار، تكون "بالبرامج المقررة في كلية الحقوق لتدريس هذه المادة وما تتضمنه من موضوعات".

       ولقد أيد بعض الفقه الفرنسي هذا المعيار قائلين: إن تعريف القانون الدستوري يعد، في الواقع، مسألة تربوية ولذلك يكون للتقاليد الجامعية و العادات وبرامج الدراسة دورا جوهريا في تحديد مواضيعه.

      إلا أن الرأي الغالب في الفقه الدستوري يرفض الاعتداد بالبرامج الدراسية للتعريف بالقانون الدستوري.
       فالمعيار الأكاديمي لا يسمح بالتوصل إلى تعريف عام للقانون الدستوري نظرا لاختلاف موضوعات المقرر الدراسي من دولة إلى أخرى، في حين أن تعريف علم من العلوم يجب أن يتميز بالثبات حتى يكون صالحا للتطابق في التطور مع  الزمان والمكان،ولذلك يجب أن لا يتأثر هذا التعريف بالمناهج والتقاليد الجامعية التي تخضع بالإضافة إلى ما سبق ذكره،لتغير السياسات التعليمية في الدول.

            - المعيار الشكلي :
  
يعني القانون الدستوري حسب المعيار الشكلي:  " كل ما بالوثيقة الدستورية من قواعد { كل قاعدة لا تتضمنها هذه الوثيقة لا تعتبر دستورية }.  وما يحيط  بها من جهات معنية ،و إجراءات وما يترتب عن ذلك من نتائج ...
         
  ظهر هذا''معيار شكلي''.  وانتشر مع حركة تدوين الدساتير في العالم، والتي بدأت مع دستور الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787 ثم فرنسا بعد الثورة عام 1791 وانتشر بعد ذلك في باقي دول العالم.3

       وعرف هذا ''الاتجاه النصي''،  تطورات استمرت إلى غاية 1959، حيث ظهر الاتجاه الموضوعي.

       -  المعيار الموضوعي :

 إن المعيارالموضوعي  للقانون الدستوري حديث لا يقتصر على مجرد تحليل وثيقة الدستور. فالقانون الدستوري، بالنسبة لمجموعة من فقهاء أمثالAndré Haurion, George Burdeaux; Maurice Duverger,   يعتمد على المضمون أو المادة بغض النظر على شكل القواعد الدستورية. وعليه،يعتبر هذا الإتجاه، أن القانون الدستوري يتضمن جميع القواعد التي لها طبيعة دستورية كيفما كان مصدرها ،سواء تضمنتها الوثيقة الدستورية أو نظمت بقوانين عادية أو كان مصدرها العرف  و الممارسة الدستورية.


المبحث الثاني:     خصائص القانون الدستوري وعلاقته بالمؤسسات؛علم السياسة وبالقوانين الأخرى.

   المطلب الأول: خصائص القانون الدستوري.             
         الفقرة الأولى :    القانون الدستوري حديث النشأة.

          ظهورالقانون الدستوري،  حديث إذا نحن قارناه بباقي القوانين الأخرى. فتدريس  القانون الدستوري بدأ ، بإيطاليا، في جامعة فرارة Ferrara سنة 1797، وكان ذلك من طرف الأستاذ كمبانيوني دي لوزو .
            في هذه المرحلة  كان محتواه يندمج ضمن القانون العام ،أي لم يكن مادة مستقلة بذاتها.ولم يتمكن من الظهور بصورة جلية إلا في أواخر القرن الثامن عشر، حينما بادرت الجامعات الإيطالية بتنظيم محاضرات في القانون الدستوري, و هكذا ظهر كمادة مستقلة.

            وفي فرنسا، كانت الجمعية الوطنية الفرنسية، تدعو و منذ سنة 1791 إلى تدريس الدستور الفرنسي في المعاهد القانونية،  إلا أنه،  لم يظهر اصطلاح "القانون الدستوري"    « Droit Constitutionnel »     في فرنسا، (وهو تعبير من أصل إيطالي) ،إلا في سنة  1834  ، حينما قرر وزير المعارف آنذاك { Guizot ،في عهد حكومة فليب أورلياني } إنشاء كرسي "القانون الدستوري" في كلية الحقوق  بجامعة باريس، حيث اشتغل  به الدوق:   Pellegrino Rossi ،  كأول أستاذ لهذه المادة في فرنسا، وكانت مهمته ،هي  تدريس القانون الدستوري الفرنسي، واستمرت مهمته هاته ما بين 1834 و 1845م ؛  ولم يدخل تدريس هذه المادة حيز التنفيذ في دراسة الدكتوراه إلا سنة 1879؛ وفي برنامج الإجازة بصفة فعلية إلا سنة 1899 بمناسبة الذكرى المئوية لبعث الجامعة الفرنسية.  ودخلت عبارة « Droit constitutionnel » اللغة الفرنسية، سنة 1835 بقرار من مجمع فرنسي، و مكن إشعاع المدرسة الدستورية من إرساء مكانة القانون الدستوري بصورة نهائية في فرنسا وتدعيمها؛  وبهذا انتشر القانون الدستوري في العالم.





          الفقرة الثانية:  خصائص أخرى للقانون الدستوري.

         نذكر من خصائص القانون الدستوري ما يلي:

     أ - دراسة الدولة حسب كل جوانبها التنظيمية التي تصب في هدف تحديد مجال حقوق و حريات و واجبات الشعب من جهة و تحديد مجال السلطة وتنظيمها من جهة مقابلة.
     ب -    افتقار القانون الدستوري إلى الجزاء، ويطرح تساؤل كيف يمكن إرغام الدولة على الخضوع للقانون في حالات الشطط في استعمال السلطة والخطأ والتجاوز في مجال الحريات العامة مثلا.
فالقانون الدستوري متميز عن باقي فروع القانون الأخرى بافتقاره إلى عنصر الجزاء في حالة المخالفة. و التساؤل الذي يبقى مطروحا، هل هذا يؤدي إلى التشكيك في طبيعته القانونية.
 ج -  دراسة القانون الدستوري ، مقارنة مع باقي فروع القانون الأخرى، نسبيا بسيطة، لأن الفاعلون ليسوا كثرة والوضعيات التي يمكن أن يوجدوا فيها محددة ومحدودة، والقواعد التي تنظم علاقاتهم لا تختلف كثيرا.فالقانون الدستوري و المؤسسات السياسية ليس له تعقيد القانون التجاري والقانون الضريبي أو قانون الشغل مثلا.


          المطلت الثاني : علاقة القانون الدستوري بالمؤسسات؛ بعلم    السياسة وباقي القوانين الأخرى.

     الفقرة الأولى: علاقة القانون الدستوري بالمؤسسات السياسية .

الحديث عن المؤسسات، بالمفهوم الغربي، هو حديث عن بنيات وأشكال وقواعد قانونية، أي عندما نتحدث عن مؤسسة ما، فإننا نلامس من خلالها بعدين اثنين : بعد تنظيمي بنيوي وبعد معنوي:
- البعد البنيوي متعلق بخضوعها لمنظومة أفكار وقيم ونمط علاقة وفكر وفلسفة ونسق.
- البعد المعنوي متعلق بطبيعة الاستمرارية والدوام لأن الشخص يموت والمؤسسة تستمر…
وعليه، تعني المأسسة، وضع بنيات وآليات لتنظيم؛ تأطير؛  ومراقبة…ممارسة السلطة والصراعات، وهكذا، حلت شيئا فشيئا القواعد التنظيمية محل علاقات القوة. وبتناقلها وتكرارها تحولت إلى عادات وتقاليد تفرض احترامها، ولتأكيدها وضمانها شرع في تدوينها كقواعد ثم كنصوص قانونية، وكانت الدساتير العصرية هي آخر مرحلة في هذا التدوين.
موازاة مع هذا، تأكدت وضعية الفاعلين وزاد وزنهم وعددهم، وبذلك لم تبق السلطة في يد واحدة، بل أصبحت مجزأة    بين عدة مؤسسات تظم كل فعاليات المجتمع. من رئيس الدولة والحكومة والبرلمان إلى الحزب السياسي و النقابة والجماعات الضاغطة….الخ.
وكما سبقت الإشارة كانت مادة القانون الدستوري إلى عهد قريب تهتم فقط بدراسة أشكال الحكم وأنظمة الدول من خلال دساتيرها على أساس أن الدولة هي أهم مؤسسة، وأن الدستور هو أسمى قانون للدولة، وكان هدف البحث العلمي آنذاك منصبا على قواعد استقرار النظام السياسي4. غير أنه مع تطور مأسسة الحياة السياسية 5 ، اتسع مجالها ليشمل كل المؤسسات والمواضيع التي لها علاقة بالنظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي مثل الأحزاب السياسية، جماعات الضغط، الرأي العام..الخ وقد تطور محتوى القانون الدستوري والمؤسسات إلى دراسة مقارنة لمختلف الأنظمة السياسية سواءا كانت ليبرالية أو اشتراكية أو مختلفة، ومن تم بات القانون الدستوري يذكر مصحوبا بالمؤسسات السياسية، وأصبحت دراسته في كليات الحقوق مصحوبة بدراسة هذه المؤسسات.

            الفقرة الثانية: علاقة القانون الدستوري بعلم السياسة.
  ندرس علم السياسة، لأننا بحاجة لآليات منهجية في نظرتنا للأحداث السياسة وفي ممارستنا لها. أي الاستعمال المنهجي للعقل في

فـــهم و تحـليل الوقائع و المسلمـات السيـاسية و الأحداث، والتنظيمات القانونية هو السبيل لتبيين ما هي عليه من خطأ أو صواب. ولذلك يتوجب حسب المجال السياسي، مراجعة المسلمات والتنظيمات مراجعة منهجية بصفة مستمرة، انطلقا من الواقع المحسوس ومتدرجين منه تدرجا هادئا إلى أفكار جديدة.
 و عليه، فعلم السياسة هو علم المراجعة المنهجية المستمرة، أو علم النقد المنهجي للمسلمات والأحوال والأنظمة السياسية وأسسها القانونية خاصة الدولة.

إذن الأصل هو أن علم السياسة مجال يجب أن يقوم على اٌليات البحث والتفكير الممنهج  حول كل ما يتعلق بالأنظمة السياسية، وأمور الحكم بمختلف أشكالها وجوانبها ومستوياتها... والإشكال كان مطروحا فقط للقانون الدستوري بمفهومه الكلاسيكي الغربي الذي كان منغلقا على النص القانوني ولم ينفتح على الاستفادة من آليات ونتائج العلوم السياسية إلا في سنة 1959،  مع السيد موريس دوفيرجي، الذي انفتح في تحاليله على واقع الأحداث الاجتماعية والسياسية، وبذلك اكتملت العلاقة بين علم السياسة والقانون الدستوري.

   الفقرة الثالثة: علاقة القانون الدستوري بباقي القوانين الأخرى.
 للقانون الدستوري علاقة بباقي القوانين الأخرى، إذ لا يجوز أن يصدر قانون داخل الدولة يتعارض مع أحكامه، لأنه من حيث المكانة
وسط التسلسل القانوني الوضعي، يعد أسمى القوانين وأعلاها درجة، لذلك يسمى "القانون الأساسي"،وعليه تتصدر دراسة القانون الدستوري جميع فروع القانون، إذ يصعب فهم أي فرع من فروع القانون الأخرى بدون الرجوع إلى الدستور كوثيقة أساسية للدولة. وعلاقة القوانين الأخرى بالقانون الدستوري، تكون إما مباشرة أو غير مباشرة، إلا أن صلة القانون الدستوري  بالقانون الإداري تعتبر أكثر مثانة من أي فرع من فروع القانون الأخرى، وذلك لأن كل مواضيع القانون الإداري مؤطرة في القانون الدستوري؛ والعديد من قضايا القانون الدستوري مفصلة على مستوى القانون الإداري، من بين هذه الأمور نذكر مثلا : الحريات العامة، مجال قانون المراسيم، الحكومة ونشاطها…. هذا بالإضافة إلى أن المؤسسات والهيئات تعمل على أساس أنها سياسية وإدارية تبعا لطبيعة النشاط الذي تقوم به، فرئيس الدولة، الوزير الأول والوزير…. يعد سلطة سياسية عندما يترأس اجتماعات مجلس الحكومة أو مجلس الوزراء أو عندما يدافع عن سياسة الحكومة أمام البرلمان …، ويعد سلطة إدارية، مثلا عندما يصدر قرار بتعيين أو عزل موظف….الخ
 من خلال هذه الأمثلة، يتضح بأن القانون الإداري يهتم بنشاط السلطة التنفيذية ذات الطبيعة الإدارية، وهي تدخل في إطار مراقبة المحاكم، باعتبارها مراقبة قانونية. أما القانون الدستوري فمجاله يشمل كل هيئات الدولة، من ضمنها السلطة التنفيذية، وينظر إلى نشاطها، ليس من الوجهة الإدارية، بل من الوجهة السياسية؛ أي يهتم فقط بأعمال السلطة التنفيذية التي تتصف بكونها أعمال السيادة، وما يميزها
عن الأعمال الأخرى هو أنها أعمال لا تدخل في المراقبة القضائية التي تقوم بها المحاكم بل تخضع للمراقبة السياسية.
و بهذا يبقى القانون الدستوري متميزا عن غيره من القوانين التي يلتقي معها، في كونه القانون الذي يحيط بكل هياكل ومكونات الدولة الفلسفية الإيديولوجية، الاجتماعية، الاقتصادية وخاصة السياس 
















                                                   

                          الـفـصـل الثاني:    الـدولـة/.Etat
          
عبر التاريخ، اختلف "الحكام" و"المفكرون"،   في التعبير عن الدولة،  كمصطلح و كمفهوم، كل من خلال تفكيره، موقعه والظروف المحيطة به.

و هناك من يرى تعبير Etat معروف منذ القديم؛ خاصة عند أفلاطون وأرسطو.
 و يستمد هذا المصطلح أصله من كلمة "Status"، والتي تعني باللاتينية:  استقرار حالة.

 كما أخذ مدلوله السياسي في العصر الروماني باستعمال مصطلح Rei romanae أو Reipublicae والتي تعني حالة الشيء الروماني. L’etat de la chose romaine أو حالة الجمهورية L’etat de la republique.

و كلمة  Status اللاتينية هي الأصل نفسه الذي اشتقت منه كلمة دولة التي يعبر عنها:

  ـ في الإيطالية اللغة بكلمة:     Stato .
  ـ  و  في اللغة الألمانية  بكلمة Staat.
  ـ  و في الإنجليزية بكلمة State 2.
        -  و في الفرنسية بكلمة Etat.

      وهي كلمة ذات معنى عام تدل على: "وضع معين في حالة استقرار ".

             و في اللغة العربية  تدل على هذا التعبير كلمة" دولة"؛ وهي مشتقة من فعل دال، يدول، دولا، أي بمعنى دار أو تبدل أو تغير من حال إلى آخر: ودالت الأيام دارت وتحولت من قوم إلى آخرين. ودال الدهر أي تحول من حال إلى حال.  

و الملاحظ أنه بين المصطلح الأجنبي والمصطلح العربي تناقض في المفهومن إلا أن مصطلح "دولة"  انتشر للتعبير عن مفهوم "Etat " الغربي الذي أصبح إلى حد ما واقعا.








                     المبحث الأول:     "أصل نشأة الدولة".
                    ما هو مفهوم الدولة، وما هو مصدر مشروعيتها ؟.
         تبلورت في هذا المجال نظريات متعددة نذكر عنها ما يلي:

                      المطلب الأول:    النظريات الدينية والعقدية.

                              جد متعددة نذكر منها ما يلي:

                       الفقرة الأولى: نظريات الأصل الديني للدولة.

  ترجع النظريات الدينية أو الديمقراطية،  أصل سلطة الحاكم إلى الله، لهذا كان مقدسا وإرادته فوق كل الإرادات. تبلورت  هنا أطروحات وصيغ متعددة، تبدأ من اعتبار الحاكم إلها إلى اعتباره خليفة لله في الأرض. وللإحاطة بمحتواها نذكر ثلاث اتجاهات رئيسية نؤطرها في ما يلي:
                 
           أولا: نظرية تأليه الحاكم:

هذه النظرية تقول بأن الحاكم هو الله نفسه، وهو الخالق للبشر وللدولة وهو الذي يتصدى مباشرة لحكم المجتمع و قيادته. كان هذا معاشا في الحضارات القديمة لمصر والهند والصين.
ففي مصر الفرعونية كان الملك يدعى في عهد الأسرتين الرابعة والخامسة " هوريس" أي الإله باللغة الفرعونية القديمة.
وفي الهند القديمة، كان الهنود يطيعون الحاكم ويعبدونه ويخضعون لسلطته باعتباره التسجيد الآدمي للإله الأكبر" براهما" الذي يستمد منه سلطته. كما كان سكان التيبت يعتقدون بأن الإله "بوذا" يحل في جسم حاكمهم الديني والدنيوي "لاما" ...

    ثانيا:     نظرية الحق الإلهي.

         تبلورت أفكار هذا الاتجاه مع ظهور الديانات السماوية وخاصة المسيحية. وقد عرفت تطورا بدأ باعتبار السلطة والحكم حقا إلهيا خوله الله للحاكم مباشرة (نظرية الحق الإلهي المباشر) ليصل إلى أن العناية الإلهية هي التي وجهت المحكومين لاختيار الحاكم (نظرية الحق الإلهي الغير المباشر).

 - نظرية الحق الإلهي المباشر: أساس السلطة بالنسبة لهذه النظرية، قد ظل مصدره الله، الذي يختار الملوك بنفسه ويزودهم بالسلطات الضرورية لقيادة الشؤون البشرية .
       
       - نظرية الحق الإلهي الغير المباشر: شكلت هذه النظرية مرحلة متطورة على مستوى النظريات الدينية؛ وهي ترجع أساس السلطة إلى الشعب، وتربط إرادة هذا الأخير بمشيئة الله وعناية في توجيهه نحو اختيار شخص معين كحاكم.

         سادت هذه النظريات في القرون الوسطى وبقيت تأخذ بها الملكيات المطلقة في العالم الغربي إلى غاية الثورة الفرنسية.

       الفقرة الثانية:     نظريات العقد الاجتماعي.  
           ترجع هذه النظريات التعاقدية، أصل الحكم لعقد اجتماعي مبرم بين إرادات بشرية حرة، هدفه إقامة سلطة سياسية من صنع الإنسان وليس من تفويض الإله. هذه النظريات هي الأخرى متعددة وإن ذكرنا فقط أسماء ثلاث مفكرين.
- توماس هوبس في كتاب التنين(1651).
- جون لوك في كتاب الحكم المدني(1690).
- جان جاك روسو في كتاب العقد الاجتماعي( 1762 ).

    إذا اتفق هؤلاء الثلاث على أن الإنسان عاش في حالة الطبيعة، فإن تصوراتهم لهذه الحالة وكيفية الخروج منها قد اختلفت.

             أولا: توماس هوبس:
في كتاب التنين Le léviathan ،  تصور أن الناس كانوا يعيشون في حالة طبيعية تقوم على الحرب الدائمة والشقاء… حيث كان الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان، ولم يخرج من هذه الحالة إلا بمقتضى عقد اجتماعي، يتعاقد فيه كل "فرد" مع "الجماعة ككل" ، وموضوع تعاقد هادين " الطرفين" هو التنازل عن جميع حقوقهم وحرياتهم "لفرد" ليس طرفا في العقد وإنما مستفيدا منه، بحيث سيصبح بموجب هذا العقد صاحب السيادة والسلطة المطلقة دون أن يتعهد بشيء لأحد.
وبهذا يكون هوبس قد أسس دولته على ركيزة السلطة المطلقة المركزة في شخص الملك بهدف ضبط عوامل الاضطراب والحروب الأهلية ( الدينية في عصره) إلا أنه بهذا حرم الشعب "الأفراد" من كل الحقوق.

     ثانيا: جون لوك:
       العقد الذي تصوره جون لوك، يقوم بين طرفين: "أفراد الجماعة" و"الحاكم" . و ذلك بهدف أن يتنازل أفراد المجتمع عن جزء من حرياتهم للحاكم مقابل أن يتكلف هذا الأخير بتحقيق الأمن والعدل في المجتمع. و هذه السلطة التي يتم إعطاؤها للحاكم محددة ومشروطة، إذ في الحالة التي لا يتمكن فيها الحاكم من تحقيق التزامه في العقد تجوز الثورة عليه.


     ثالثا: جان جاك روسو:
في تصوره أن الناس في حالة الطبيعة كانوا يعيشون في حالة توثر بفعل الفوارق الفردية والجماعية بينهم، مما دعى  كل واحد منهم إلى أن يبرم مع الآخرين عقدا التزم فيه بالخضوع للإرادة العامة. وهو بذلك لم يفقد حريته، لأن الإرادة العامة التي تنازل لها عن حريته يشارك في صنعها بواسطة "القانون" المعبر عن الصالح العام وعن مجموع الإرادات الفردية.
من خلال هذه النظريات الثلاث نستنتج ما يلي:
           أصل "سلطة الحاكم" أو "نشأة الدولة"  أصبح عقد اجتماعي بين المحكومين أو بين المحكومين والحاكم. أي أصبح هناك تصور دنيوي لأصل السلطة، وهذا مخالف لما رأينا في النظريات الدينية.
           باستثناء هوبس الذي كان يشرعن  للحكم المطلق فإن لوك و روسو، كانا يدعوان إلى تقييد السلطة، مع اختلاف بينهما.

    المطلب الثاني:     النظريات العلمية في أصل نشأة الدولة.

حذفنا هذه النظريات.
  
        المبحث الثاني:      مكونات وأشكال الدولة

الدولة حسب المفهوم القانوني، تقوم على أساس مجموعة بشرية تعيش على سبيل الاستقرار، على إقليم محدد، وتدين بالولاء لسلطة حاكمة.  إلا أن التطور الذي عرفته الدولة افترض أمورا أخرى.
إذن ما هي هذه المكونات خاصة تلك التي يكتمل بها المفهوم القانوني للدولة؟ وما هي أشكالها؟
      المطلب الأول:   عناصر الدولة والخصائص المميزة لها.
 للدولة مكونات مادية وخصائص معنوية أو قانونية تميزها عن باقي المؤسسات الأخرى؛ نذكر منها على مستوى هذا المطلب ما يلي:






      الفقرة الأولى: العناصر المادية للدولة

عناصر الدولة المادية هي الشعب، الإقليم ثم الحكومة.

             أولا:   الشعب:

  لا يمكن الحديث عن دولة، إلا حينما تكون هناك جماعة بشرية محددة، خاضعة لنظام قانوني واحد. هذه الجماعة، تسمى شعب الدولة.
  ويمكن الإشارة إلى أن، الدولة لا يمكنها أن تعمل بشكل جيد، إلا إذا كانت لشعبها عوامل مشتركة، خاصة منها، الشعور بالانتماء للدولة ولقيمها الأساسية، والوعي بالانتماء إلى شعب واحد والإرادة في المحافظة على وحدته.

       ثانيا:  الإقليم:

 لا يمكن أن  نتصور دولة بدون إقليم، و أهميته تعود أساسا بالنسبة للأفراد، الذين لا يمكنهم إلا الاستقرار على رقعة معينة من الأرض.
       ويتكون الإقليم من المجال البري والمجال البحري ثم المجال الفضائي الذي يعلو مباشرة هذين المجالين.

     ثالثا:  السلطة السياسية.

 وجود الدولة يتطلب وجود سلطة سياسية يخضع إليها الإقليم وتخضع إليها المجموعة البشرية التي تعيش على الإقليم. ورغم تعدد واختلاف التعاريف التي تجيب على تساؤل "ما هي السلطة السياسية"؟ يبقى التفكير في المسألة ملحا لأن أغلب الإجابات إما ناقصة أو يشوبها الغموض بسبب التعميم. و كمثال نستعرض التعاريف التالية:
       ديكي Dugit،  ليس الحكم أو السلطة السياسية إلا ظاهرة للقوة، وهي تتجلى في " مجموعة من الأفراد تتوفر عمليا على قوة عظمى، قد تكون دينية، عسكرية أو اقتصادية….يمارسون، ماديا حكما طابعه الإكراه على أفراد آخرين يعرفون بالمحكومين….وهكذا فليس الحكم السياسي إلا ظاهرة لقوة عظمى.

لكن هناك فريق آخر من الفقهاء اعتبر السلطة السياسية ظاهرة حقوقية، من بين هؤلاء نذكر andrée Houriou .

           



     رابعا:  سيادة الدولة

و السيادة هي : القوة المطلقة و الدائمة للدولة و السلطة الضرورية لتنسيق الحياة المشتركة للجماعة.
     والتمييز بين سلطة الدولة و سيادتها يقوم على أساس أنه إذا كانت السلطة السياسية ركنا من أركان الدولة فإن السيادة ليست كذلك إذ قد توجد الدولة بغير سيادة ذلك على حين أنها لا توجد بغير سلطة.

         المطلب الثاني:    أشكال الدولة
           
                   الفقرة الأولى :    الدولة البسيطة

 أبرز المميزات في هذه الدولة أنها تقوم على سلطة سياسية واحدة تتركز في يدها السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. وقد أفرز التطور الاجتماعي، الثقافي والسياسي شكلين إلا أننا نذكر فقط  شكل واحد وهو مطبق في دول كالمغرب، تونس، الجزائر، مصر….الخ توجد بها سلطة إدارية واحدة، وعلى مستوى تنظيم التدبير الداخلي تعتمد بعض الأساليب التي تنهج من خلالها تقسيمات تحافظ على مركزية ووحدة تسلسلية (هرمية) تستند على نظم إدارية تعتمد التفويض في التدبير.
ويمكن حصر النظم الإدارية التي تقوم على تفويض أو تفويت (بعض) الاختصاصات لهيئات محلية في أسلوبين أساسين هما: أسلوب عدم التركيز الإداري وأسلوب اللامركزية الإدارية.

            أولا: عدم التركيز الإداري:

 يقوم على أساس تفويض السلطة المركزية لبعض اختصاصاتها لهيئات محلية تبقى تابعة لها من حيث اعتبارها أداة تنفيذية للأمور التي لم تفوض لها، ومن حيث خضوعها للتوجيهات والمراقبة بالنسبة للأمور المفوضة. بالإضافة إلى أنها لا تتوفر على الشخصية المعنوية.

            ثانيا: اللامركزية الإدارية الترابية :

 تتحقق بمنح إقليم الدولة الشخصية المعنوية، أي منحه الاستقلال الإداري والمالي في مباشرة الاختصاصات الموكلة إليه، تحت إشراف ومراقبة الدولة.
مثلا المغرب ، دولة بسيطة، تعتمد تقسيمات إدارية للتراب الوطني تتجلى في المزج  بين أسلوب عدم التركيز و اللامركزية إلى حد ما، وهما كما سبق الذكر أسلوبين ينحصران في التسيير الإداري للمجال الاجتماعي، الاقتصادي والثقافي ولا يمس المجال السياسي الذي يعتمد تنظيم خاص يضمن المركزية والوحدة السياسية على مستوى النظام.
    
     
            الفقرة الثانية :    الدولة الفيدرالية.

إن الدولة الفيدرالية أو الاتحادية    تنشأ نتيجة لاتحاد يطلق عليه اسم الاتحاد الفيدرالي أو الاتحاد الدستوري، وذلك لاعتبارات متعددة أهمها أن هذا الاتحاد ينشأ بدستور ترتضيه الدول والشعوب المنظمة  له.

وينتج عن هذا الاتحاد عدة نتائج نذكر منها:

 -بالنسبة للدول المتحدة : تتفق على أن تصبح أجزاء أو وحدات محلية في دولة جديدة. هذا يؤدي إلى اختفائها من المجتمع الدولي أي أنها تفقد السيادة الخارجية ولا تبقى خاضعة للقانون الدولي وإنما لقانون داخلي وهو الدستور.

- بالنسبة للدول الاتحادية، أي الدولة الناشئة عن الاتحاد الفيدرالي، تحل محل الدول المنضوية تحتها على مستوى المجتمع الدولي.
-بالنسبة للمواطنين: ينشئون دولة فيدرالية على أساس الوحدة القومية، وهو أمر له تبعات متعددة خاصة بالنسبة للجنسية وعلى المستوى الاقتصادي.

         أولا : طرق إنشاء الاتحاد الفيدرالي

الدولة الفيدرالية    تنشأ نتيجة لإحدى الطريقتين:
أ: أن تتحد دولتان أو أكثر، وتكون فيما بينها دولة واحدة نأخذ شكل  الدولة الاتحادية. وهذه هي الطريقة العادية التي تكونت بها أغلب الاتحادات الفيدرالية أو الدستورية.
ب: أو أن تتحول دولة منفردة إلى دولة اتحادية. ويحدث ذلك للدولة التي تضم عناصر متباينة في أقاليم متفرقة داخل الدولة. وتجد الدولة أن طبيعة تكوينها تتطلب منح أقاليمها قدرا وافرا من الاستقلال الذاتي، وأن تدعها تحكم نفسها بنفسها في الشؤون المحلية حتى تتجنب انفصالها عنها كلية. وهكذا تكون الاتحاد الدستوري في المكسيك والبرازيل 2  وبلجيكا.








          ثانيا : أسباب وشروط قيام الاتحاد الفيدرالي

    أ : أسباب قيام الاتحاد الفيدرالي:

- 1 ضعف القوة الذاتية لدولة ما وعدم استطاعتها رد الاعتداءات الخارجية فتتحد مع دولة أخرى.
2 – التخلف الاقتصادي الحاد في دولة ما والتي ترى أن بقاءها مرهون باتحاد مع دولة أخرى للتغلب عليه.
  3– حينما ترى دولة موحدة أن بقاءها يستدعي ظهور وحدة من" تنوع هذه الدولة"،  فتقسم سلطاتها إلى مجموعتين من الحكم وتمنح الحكم الذاتي الدستوري لوحدتها المخلفة.

 ب : الشروط الواجب توافرها كلها أو بعضها لقيام أي اتحاد فيدرالي:

*   الرغبة في قيام اتحاد فيدرالي.
* القوة القدرة على إدارة هذا الاتحاد.
* التقارب في عدد السكان وفي المساحة قدر الإمكان.
* امتلاك المواد الاقتصادية الضرورية….الخ

    ثالثا :  أسس الدولة الفيدرالية:

1 – وجود دستور مكتوب أو وثيقة اتحادية.
2 – الدستور يجب أن يكون جامدا أي صعب التعديل.
3 – حكومة مركبة ( حكومة ثنائية) تنظم على النحو التالي:
* تحتفظ الحكومة المركزية بالموضوعات ذات أهمية قومية أو استراتيجية        منها تعديل الدستور.
* تحول بقية الموضوعات إلى الحكومات المحلية
4 - كل الدويلات أو المحفظات أو الأقاليم أو الولايات  المنضوية تحت الاتحاد تتوفر على كل مقومات الدولة باستثناء الظهور في المجتمع الدولي كدولة.
5 - ضرورة توفر عنصر مشاركة الدويلات في الاتحاد.
6 – ضرورة وجود محكمة عليا.

           رابعا:  حق الإبطال وحق الانفصال عن الاتحاد الفيدرالي

كان هناك خلاف فقهي بشأن حق الإبطال والانفصال عن الاتحاد تم الحسم فيه من خلال التجربة العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية، حين أعلنت ولايات الجنوب انفصالها عن الاتحاد بسبب مشكلة العبيد؛ ولم تقبل الحكومة الاتحادية هذا الانفصال وسيرت جيشها لمحاربة الانفصاليين الجنوبيين، واستمرت الحرب الطاحنة أربع سنوات متوالية انتهت سنة 1865؛ وقر في الوقت ذاته الحل النهائي لمشكل الانفصال، وحكمت المحكمة العليا في سنة 1868 بأن الاتحاد غير قابل للانفصام وأنه مكون من ولايات غير قابلة للانفصال.
هذا الأمر لم يبق قصرا على الولايات المتحدة الأمريكية بل هو أمر مسلم به في باقي الدول الاتحادية عامة.

          الباب الثاني:   الدستور وإشكالية النظام الديمقراطي

الفصل الأول:            الدستور.                          

... رغم تشتت جوانب دراسة الدستور ( القانون الدستوري) وصعوبة الجمع فيما بينها منهجيا، نحاول الإحاطة بها من خلال المباحث التالية:

              المبحث الأول: الدستور، مصدره، وأشكاله ومكانتها.          
                    المبحث الثاني:  وضع، تعديل وإلغاء الدستور.

المبحث الأول:       الدستور؛ مصادره و أشكاله.

 نتطرق في هذا المبحث للمبادئ الأولية الخاصة بالدستور، كالتعريف بالمصطلح وبمفهومه ، و ومصادر الدستور ثم أشكاله .

                      المطلب الأول:   التعريف بالدستور.
                الفقرة الأولى:   الدستور مصطلح.      

           ليس هناك تطابقا بين المصطلح العربي و المصطلح الفرنسي في اللغة الفرنسية:
       -    فمصطلح 'Constitution'، يعني:   التأسيس أو البناء أو التنظيم.
       -     أما كلمة الدستور:   في اللغة العربية, كانت تعني: القاعدة  القانونية و اللوائح والإجراءات و الشكليا ت و الرخص و الإذن. 
       حاليا يعني الأساس و القاعدة و تدل   عن ''الوثيقة الدستورية '' التي تضبط تنظيم الحكم و طرق سيره في الدولة.






      
               الفقرة الثانية:     التعريف الدستور :
        
            هناك اتجاهين في تعريف الدستور:

     - الاتجاه الكلاسيكي: يعتمد هذا الاتجاه في تعريف الدستور، على وثيقة الدستور، وهو يذهب إلى أنه:" مجموعة من القواعد الأساسية التي تحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها، وتبين سلطاتها العامة وعلاقات بعضها مع بعض وعلاقة الأفراد بها…."

           - الاتجاه الموضوعي،  يعتمد على جوهر القاعدة دون النظر إلى شكلها أو مصدرها، وعليه تعد القاعدة دستورية من حيث طبيعتها أو جوهرها حتى وإن لم ترد في نص دستوري.                                                                                     
           الفقرة الثانية:  نظرة تاريخية عن الحركة الدستورية

    نعني بالحركة الدستورية، موجات الدسترة التي سعت إلى إبدال القواعد العرفية المتعلقة بممارسة السلطة وانتقالها بدساتير مكتوبة تهدف إلى الحد من تعسف الحكم المطلق وإحلال حكومات مقيدة محلها.

      وفي الواقع ، تجلت موجات الدسترة في أربع حركات كبرى:

أ - الحركة التي تلت الإستقلال أمريكي والثورة الفرنسية سنة  1789: تاريخ إعلان استقلال أمريكا عن الاستعمار البريطاني كان في4    يوليوز 1776، ودستور الولايات المتحدة الأمريكية يعود لسنة 1787. والثورة الفرنسية وإن جاءت فيما بعد، إلا أنها كانت أكثر إثارة لأنها أدت إلى انتشار الدستور وولدت عدة جمهوريات.




      ب : الحركة التي عقبت الثورتين الفرنسيتين سنة 1830 1848:

-  ثورة 1830: كان لها تأثير غير مباشر على الحركة الدستورية الأوروبية، وتعد أساس الدستور البلجيكي المؤرخ في 1831، والذي كان يقر نموذجا متزنا من الملكية البرلمانية. ويقول ميركين غتزفيتش ان هذا الدستور، مقتبس من شرعة 1830، أثر خلال القرن 19 في أوروبا الغربية و الشرقية خصوصا منها رومانيا، بولغاريا، اليونان و صربيا … أكثر من تأثير الدستور الإنجليزي.
- ثورة 1848 ، كان لها وقع أكبر، في الدهن الشعبي الأوربي، لأنها أحدثت تحركات عميقة في ألمانيا وفي بولونيا وإيطاليا ….الخ.
ج - الحركة التي حدثت عقب الحرب العالمية الأولى: أي عقب هزيمة ألمانيا وتجزئة  الإمبراطورية النمساوية الهنغارية والإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية القيصرية، مع ظاهرة الثورة الروسية وولادة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.
د - وأخيرا الحركة التي نمت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية والتي جاءت في معظمها، بعد حركة جلاء الاستعمار في العالم النامي: إذ باستثناء الديمقراطيات الشعبية لأروبا الشرقية ، كانت في أساسها، نتيجة حركة كبرى موجهة ضد الاستعمار نمت في العالم أجمع، من آسيا الجنوبية الشرقية إلى إفريقيا مرورا بالشرق الأوسط.

وباستثناء الدول النامية،  تعتمد الفكرة الرئيسية للحركة الدستورية في العالم الغربي، على الحد  من السلطة السياسية، بواسطة دستور مكتوب، الغاية منه، تنظيم ممارسة السلطة وانتقالها في الدولة، وذلك لتجنب التعسف الذي يمكن أن يحدث عن غياب قواعد ملزمة للحكام.
وتهدف هذه الحركة إلى إيجاد الحكومة المقيدة أي دولة القانون.

                      المطلب الثاني:   مصادر الدستور

في هذا المطلب نعطي عرض موجز لأهم مصادر الدستور. وذلك في ما يلي:

              الفقرة الأولى: المصادر الرسمية للقاعدة القانونية الدستورية.
              الفقرة الثانية: المصادر الموضوعية للقاعدة القانونية الدستورية.

         الفقرة الأولى: المصادر الرسمية للقاعدة القانونية الدستورية

 تتجلى المصادر الرسمية للقاعدة القانونية، بصفة عامة، ومن ضمنها القاعدة الدستورية، في كل من التشريع والقضاء، والمبادئ الدستورية العامة.

        أولا : التشريع الدستوري:

ظل العرف هو المصدر الوحيد للقانون الدستوري حتى قامت الثورة الأمريكية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر . ومند عام 1776 بدأت بعض المستعمرات الإنجليزية في العالم الجديد تتخذ لها دساتير مكتوبة. ثم صدر دستور الولايات المتحدة الأمريكية الذي يعتبر عميد الدساتير المكتوبة في العالم ولا يزال يطبق منذ عام 1787  حتى الآن. وفي أعقاب الثورة الفرنسية التي اندلعت عام 1789 – أي بعد صدور الدستور الأمريكي بعامين- صدر أول دستور فرنسي مكتوب وهو دستور سنة 1791. ومع ذيوع أفكار الثورة الفرنسية التي جسدتها في إعلان حقوق الإنسان الشهير، ومع ازدهار الحركة الديمقراطية ، وتفكك الإمبراطوريات الكبرى التي وضعت الحروب حدا لحياتها، أخذت الدساتير المكتوبة تنتشر في مختلف أرجاء الأرض حتى باتت بريطانيا تكاد تكون هي الدولة الوحيدة التي لا تزال تحتفظ بدستورها العرفي، تمسكا منها بتقاليدها القديمة.

        ثانيا :  القضاء

لا يعد القضاء مصدرا رسميا بالنسبة إلى الأحكام العادية، لأن مهمته، لا تعدو حينئذ تطبيق القانون أو تفسيره طبقا لمقاصد المشروع. أما بالنسبة إلى الأحكام المتضمنة لمبادئ، فإن القاضي يعمد في ظل التفسير إلى تشييد قواعد قانونية جديدة ويكون القضاء مصدرا رسميا لهذه القواعد.
ويختلف دور القضاء في الأهمية بين الدول التي سادت فيها النزعة الرومانية، و الدول التي سادت فيها النزعة الأنجلوسكسونية .

        -  الدول التي سادت فيها النزعة الرومانية كفرنسا، حيث للقضاء دورا أقل أهمية  في المجال الدستوري و لا يوجد هناك نظام السوابق القضائية الملزمة، إذ الأصل أن المحكمة غير مقيدة قانونا بقضائها السابق أو بقضاء محكمة أخرى في درجتها أو أعلى منها درجة.
-    الدول التي سادت فيها النزعة الأنجلوسكسونية كإنجلترا،حيث القضاء مصدرا رسميا هاما للقواعد القانونية.
-          
                الفقرة الثانية : المصادر الموضوعية للقاعدة الدستورية

    أولا: العرف الدستوري.

يقصد بالعرف، عامة، اتباع الناس" ممارسة " معينة في العمل أو التعامل بصفة متواترة... ويشترط لتكوين العرف وجود عنصرين : عنصر مادي وعنصر معنوي:

- العنصر المادي : يتمثل بتكرار الوقائع بصورة دائمة و ثابتة  وواضحة التكرار يتم بتعداد الوقائع المتشابهة.

- العنصر المعنوي أو الشخصي: العنصر المادي لا يكفي وحده لتكوين العرف، ولوجوده، يجب بالإضافة إلى تكرار السوابق وجود عنصر معنوي يضفي على العرف قيمة أدبية أو قانونية تجعل منه قاعدة قانونية ملزمة.


             أنواع العرف الدستوري والقيمة القانونية لكل نوع:

 هناك ثلاث أنواع من الأعراف: العرف المفسر، العرف المكمل وأخيرا العرف المبطل أو المعدل للدستور:

1- العرف المفسر: دوره تفسير وفك غموض النصوص الدستورية المبهمة مع بيان كيفية تطبيق تلك النصوص. وهذا النوع من العرف له القيمة القانونية المقررة للنصوص الدستورية ذاتها.

2- العرف المكمل: وهو الذي يمتد ليتناول أمرا لم ينظمه الدستور، أي أنه ينشأ ليسد نقص النصوص الدستورية.
وحول القيمة القانونية " للعرف المكمل" تعددت الاتجاهات:
  -  اتجاه أعطى للعرف المكمل قيمة قانونية مساوية للقانون العادي.
  -  اتجاه آخر جعل قيمة العرف المكمل في مرتبة أدنى من القانون العادي.
   -   أما أغلب الفقه، فيسير على أن العرف المكمل له ذات القيمة القانونية المقررة للنصوص الدستورية، لأنه لا يعدو أن يكون تفسيرا لسكوت المشرع الدستوري عن تنظيم أمر من الأمور وبالتالي فيجب أن يأخذ حكم العرف المفسر.
       3 - العرف المعدل: يتناول النصوص الدستورية المكتوبة بالتعديل إما بالحذف أو الإضافة:
     - العرف المعدل بالتغيير (بالإضافة)، وذلك بأن يأتي العرف بأحكام جديدة تعدل من قضايا سبق أن نظمها الدستور المكتوب.
     - العرف المعدل بالحذف، ومعناه إسقاط النصوص الدستورية بسبب جريان العرف على عدم استعمالها.
     وحول القيمة القانونية لهذا النوع من العرف، يذهب أغلب الفقه، فيرى أن العرف المعدل مجرد من القيمة القانونية،  أي أنه غير مشروع باعتباره متضمنا لمخالفة صريحة للنصوص الخاصة بكيفية تعديل الدستور .

     ثانيا : الممارسة السياسية

 وهناك من يقول الممارسات الدستورية، وهي عبارة عن قواعد مستحدثة وغير مكتوبة وليست لها قوة إلزامية. لها نفس دور الأعراف الدستورية، حيث يمكنها أن تتمم أو تعدل في القواعد الدستورية المكتوبة وهي في معظم الأحوال مرتبطة بحاكم ذي سلطة مشخصة . فمثلا كان الجنرال دوغول قد جعل من الدفاع والسياسة الخارجية مجالا خاصا به (Domaine réservé) ورغم تراجع رؤساء فرنسا خاصة جيسكار ديستانغ وفرنسوا ميتران من بعد عن هذه الممارسة3  . فإن الممارسات المستحدثة يمكن أن تشكل "نواة" للعرف.



                 المطلب الثالث:    أشكال الدساتير.

 تختلف الدساتير تبعا للوجهة التي ينظر إليها منها. فهي من حيث المصدر تنقسم إلى دساتير مدونة وغير مدونة، وهي من حيث كيفية التعديل تنقسم إلى دساتير مرنة وجامدة.

           الفقرة الأولى:      الدساتير المدونة وغير المدونة.   

    أولا :    الدساتير المدونة

 هي التي تصدر أحكامها في صورة نصوص تشريعية من عمل المشرع الدستوري. تجمعها وثيقة دستورية واحدة أو عدة وثائق، بحيث يكون أساسها تسجيل المشرع أحكام الدستور في وثيقة أو وثائق مكتوبة.

   ثانيا :    الدساتير غير المدونة

هي التي تستمد أغلب أحكامها من غير طريق التشريع الوضعي، كالعرف والقضاء مثلا.

تضاءلت أهمية تقسيم الدساتير إلى مدونة وغير مدونة، نظرا لالتجاء غالبية الدول الآن إلى تدوين دساتيرها، لما للتشريع من أهمية كبيرة، حتى اعتبر التشريع ضرورة من ضرورات المجتمع الحديث.











          الفقرة الثانية:    الدساتير المرنة والدساتير الجامدة

أولا :     الدساتير المرنة

 يعرف الدستور المرن بأنه ذلك الدستور الذي يمكن تعديله وتنقيحه دون إتباع إجراءات خاصة مختلفة عن تلك التي تتبع في حالة تعديل القوانين العادية، وبعبارة أخرى، الدستور المرن، هو ذلك الدستور الذي يمكن للبرلمان تعديله بنفس الإجراءات التي تعدل بها التشريعات العادية التي يصدرها.
وقد سرت عادة الفقه، على ذكر الدستور الإنجليزي كمثال، عن الدساتير المرنة، ذلك أن البرلمان الإنجليزي يستطيع أن يعدل في القواعد المكونة لهذا الدستور بنفس الأسلوب وطبقا لنفس الإجراءات التي يستخدمها في ممارسته لوظيفته التشريعية العادية.

وبصفة عامة، يمكن القول بأن الدساتير الغير المدونة، يغلب عليها أن تكون مرنة لأنها، تتغير وتتبدل بقواعد عرفية جديدة تلغي القواعد القديمة دون اتباع إجراءات معينة آو اشتراط شروط خاصة.

 ثانيا :      الدساتير الجامدة

 الدستور الجامد هو ذلك الدستور الذي لا يمكن تعديله بنفس الإجراءات التي تتبع عند تعديل القوانين العادية، بل لابد من اتخاذ إجراءات خاصة لذلك، يتم النص عليها في الدستور نفسه.
ويتميز هذا النوع من الدساتير،  بأنه يتفق مع طبيعة القواعد الدستورية وعلو مكانتها من الناحية الموضوعية عن مكانة القوانين العادية. كما يضفي على أحكام الدستور قدرا من الثبات والاستقرار، ويجعله في مأمن من اعتداءات السلطة التشريعية.
غير أن جمود الدستور، إذا لم يكن نسبيا ومعتدلا،  فإنه يمكن أن يكون عقبة سيئة النتائج في سبيل مسايرة أحكام الدستور لتطور الأوضاع في المجتمع.  
      
           الفقرة الثالثة:   سمو الدستور

 يقصد بمبدأ سمو الدستور أن القواعد الدستورية ،  تعلو على ما عداها من قواعد قانونية داخل الدولة وتلزم سائر السلطات باحترامها في كل ما يصدر عنها من أعمال. ويستمد الدستور سموه من مضمونه ومن طريقة وإجراءات وضعه وتعديله.
      والقول بأن الدستور، هو القانون الأسمى في الدولة،  يعني أنه يتحمل المرتبة الأولى في قوانين الدولة التي عليها الالتزام والتقيد بما ورد فيه من أحكام، وبذلك يتحقق تطبيق مبدأ الشرعية الذي يعني تقيد وخضوع الحكام والمحكومين لقواعد القانون والعمل بموجبها، كما يعني التقيد بمبدأ تدرج القوانين.
            
                         و سمو الدستور شكلي و موضوعي:

     أولا : السمو الشكلي للدستور:
 يقصد بالسمو الشكلي للدستور أن تعلو قواعده على القواعد القانونية الأخرى المطبقة في الدولة، ويتحقق ذلك عندما يكون الدستور جامدا ؛  أي يتطلب تعديله اتباع إجراءات خاصة أكثر تعقيدا من تلك التي تتبع في تعديل القوانين العادية، ويمتد السمو الشكلي  ليشمل كل القواعد المدونة في الدستور وبصرف النظر عن مضمونها، أي حتى لو كانت القاعدة المكتوبة في الدستور لا تنظم مسائل دستورية، فإنها تتمتع بالسمو أيضا.

    ثانيا : السمو الموضوعي للدستور.

يتحقق السمو الموضوعي للدستور، بالنظر إلى محتواه ومضمون القواعد الدستورية التي يتضمنها. وإن كانت الممارسة تفرز تشكيلات وتركيبات مختلفة لمحتوى الدستور ، تختلف باختلاف طبيعة النظام السياسي وأهدافه، فإن هذا المحتوى يتمحور عادة في" القواعد المتعلقة بتنظيم الحكم في الدولة"؛ "والفلسفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنظام القائم؛" " وتصدير بإعلان حقوق الأفراد والمواطنين."


المبحث الثاني:      وضع تعديل وإلغاء الدستور2 

                        المطلب الأول:    وضع الدستور.
    تصنف أساليب نشأة الدساتير إلى نوعين رئيسين، أساليب غير ديمقراطية وأساليب ديمقراطية.

الفقرة الأولى : الأساليب غير الديمقراطية لوضع الدساتير.
             تتمثل في  أسلوبين وذلك كالتالي:
   أولا :   أسلوب المنحة.
تمثل المنحة الأسلوب الغير الديمقراطي الخالص في نشأة الدساتير، لأن نشأة الدستور في هذه الحالة تعود إلى الإرادة المنفردة للحاكم أو الملك الذي يقرر بمحض إرادته منح شعبة وثيقة الدستور بما يتضمنه من تنازل عن جانب من سلطاته للشعب.
وتنازل الحاكم عن بعض سلطاته من خلال الدستور عن طريق المنحة لا يعني دائما أن تكون هذه المنحة أو هذا التنازل اختياريا محضا. فكما يمكن أن يكون هذا التناول تلقائيا و بمحض إرادة الحاكم، فانه يمكن أن يكون وفي الغالب جبرا عنه وتحت ضغط شعبي واسع .

  ثانيا :  أسلوب العقد: Le Pacte
ينشأ الدستور"طبقا لهذا الأسلوب"بناءا على اتفاق بين الحاكم والشعب،ونتيجة لتوافق إرادتيهما على قبول الوثيقة الدستورية واحترامها  . فهو عمل مشترك بين الحاكم والأمة. وبذلك، يمكن القول، إن السلطة التأسيسية الأصلية قد تبدت في الحاكم والشعب.
وعلى كل حال فإن مرحلة وضع الدستور عن طريق العقد تمثل مرحلة وسطا، بين مرحلة استئثار الحاكم بوضع الدستور ومرحلة استئثار الأمة بوضعه.
ويحمل معنى وضع الدستور عن طريق العقد دلالة ظهور إرادة الشعب. ولذا يعد طريق العقد أكثر ديمقراطية من طريق المنحة.

        الفقرة الثانية: الأسلوب الديمقراطي لنشأة الدساتير.

 تتفرع هذه الأساليب إلى أسلوبين رئيسيين، أسلوب الجمعية التأسيسية وأسلوب الاستفتاء الدستوري.

   أولا : الجمعية التأسيسية:                      
يعتبر هذا الأسلوب تطبيقا للديمقراطية النيابية، حيث يقوم الشعب بانتخاب جمعية نيابية تضطلع بالسلطة التأسيسية وتتولى مهمة وضع الدستور.
فإذا كان الدستور هو الدي ينشئ السلطات العامة في الدولة ومن بينها السلطة التشريعية، فإنه لا يجوز أن تقوم هذه السلطة بوضع الدستور لأنها سلطة منشأة.
ولهذا كان من الضروري أن تتولى وضعه هيئته أو جمعية خاصة أعلى من السلطة التشريعية تنتخب من الشعب بوكالة خاصة من أجل إنجاز هذه المهمة.
وكانت الولايات المتحدة الأمريكية أول من أخذ بهذا الأسلوب في وضع الدستور، إذ طبقته عدة ولايات في وضع دساتيرها بعد استقلالها عن ابريطانيا سنة 1776. وتم وضع الدستور الاتحادي نفسه في سنة 1787 عن طريق جمعية نيابية منتخبة أطلق عليها Convention.
  ثانيا : الاستفتاء الدستوري :
 عن الاستفتاء الدستوري، يتم معرفة رأي الشعب في مشروع معين للدستور، تم وضعه بواسطة جمعية نيابية منتخبة من الشعب، أو لجنة فنية، بحيث لا يصبح هذا المشروع دستورا نافذا إلا بعد موافقة الشعب عليه. بهذا لا تعتبر هذه الطريقة، مجرد حلقة مكملة لطريقة الجمعية التأسيسية، لأنه من الممكن أن تقوم لجنة حكومية أو الحاكم نفسه بوضع الدستور ثم يطرحه على الشعب لإبداء رأيه فيه، ولا تكتسب وثيقة الدستور قوتها القانونية إلا بعد موافقة الشعب عليها. على هذا الأساس يفرق جانب كبير من الفقه الدستوري في فرنسا بين الاستفتاء الدستوري  وبين الاستفتاء السياسي الذي يعتبرونه الوسيلة المعتادة لتأسيس دساتير ذات نظام حكم مطلق.
وذلك لأن السيادة الشعبية لا يكون لها دور إيجابي في حالة الاستفتاء السياسي بل مجرد دور سلبي.

      المطلب الثاني:   تعديل الدستور

تختلف  الإجراءات المتبعة في تعديل الدستور عن إجراءات تنقيح القوانين العادية، ولا يهم التعديل إلا الدساتير الجامدة، ذلك أن الدساتير المرنة يمكن تعديلها بواسطة قوانين عادية.

                 الفقرة الأولى :   إجراءات التعديل.

(كذلك)  إجراءات التعديل من دستور إلى آخر طبقا لرغبة السلطة التأسيسية في تسهيل أو عرقلة تعديل الأحكام الدستورية. ويتضح ذلك على صعيد المبادرة والإعداد والموافقة.

     أولا : اقتراح التعديل:

تكتسي المبادرة بتعديل الدستور أهمية خاصة، ولهذا فإن الدساتير لا توكلها إلا إلى السلطات الهامة في الدولة :

- ففي الأنظمة الديكتاتورية تنفرد الحكومة بحق التعديل مثلما هو الحال في دستور فرنسا لسنة 1852؛  ودستور اليابان لسنة .1946
- وفي الأنظمة التي تعتمد الفصل المطلق بين السلطات، فإن البرلمان هو الذي يقترح 1التعديل 
        - وتوزع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما هو الحال في أغلب الدول.
- يشترك فيها الشعب إلى جانب البرلمان و الحكومة مثلما هو الحال في الدول الديمقراطية كسويسرا و إيطاليا.
- قد يمنح الدستور كذلك حق اقتراح التعديل للشعب و البرلمان، وهو ما حدث في العديد من الدول الحديثة، وخاصة بعد الحرب العالمية الأولى ومنها دستور فيمار 1919 ،والدستور الإيطالي لسنة    1947.
        -وقد يمنح الدستور حق اقتراح التعديل إلى أفراد الشعب وذلك كما هو الحال في دستور الصومال.






    ثانية : إعداد التعديل:
دراسة التعديل تتم بإحدى الطرق:
- انتخاب هيئة تأسيسية: يقتضي الدستور في بعض الدول انتخاب هيئة تأسيسية للنظر في تعديل الدستور. و هذا ما أقرته الدساتير الثورية الفرنسية: 1793ودستور 1848وكذلك الدستور الأمريكي بناء على طلب ثلثي المجالس التشريعية في دول الاتحاد.
- أو تكليف المجالس التشريعية: معظم الدساتير تعهد إلى البرلمان بإعداد التعديل مع استلزام شروط خاصة، كاجتماع مجلسي البرلمان في هيئة مؤتمر أو اشتراط حضور نسبة معينة من الأعضاء. وتقرر دساتير أخرى انتخاب برلمان جديد يتولى مهمة التعديل.
- وقد تعهد بعض الدساتير بهذه المهمة إلى الحكومة .

   ثالثا : إقرار التعديل:
قد ينص الدستور على أن إقرار التعديل، يجب أن يتم بنفس الطريقة التي تم بها إقرار الدستور، و ذاك كالدستور المغربي الذي نشأ بطريقة الاستفتاء واستلزم لتعديله إجراء استفتاء شعبي. وكذلك دستور فرنسا لسنة 1848، الذي أنشأته جمعية تأسيسية واشترط أن يتم تعديله أيضا بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة. غير أن غالبية الدساتير تعطي البرلمان اختصاص إقرار التعديل ولكن بأغلبية خاصة كأغلبية الثلثين  أو ثلاثة أرباع من النواب.

                                
      الفقرة الثانية:   القيود المفروضة على التعديل.
       ما هي هذه القيود وما هي قيمتها القانونية؟  
    أولا : أنواع القيود:
 تنقسم القيود المفروضة على تعديل الدستور إلى قسمين الأول يحرم التعديل بصفة مؤقتة والثاني يحرم تعديل بعض أحكام الدستور بصفة دائمة .
- تحريم تعديل الدستور بصفة مؤقتة:    تهدف هذه القيود إلى تجنب إدخال تعديلات على الدستور من شأنها أن تمس بالوضع القائم قبل أن يستقر النظام، أو إلى تحريم تعديل الدستور في ظروف معينة تحت وطأة الأحداث.
أما القيد الأول فإنه يحرم تعديل الدستور أو بعض أحكامه قبل انقضاء مدة معينة،فمثلا حرم الدستور الأمريكي الصادر سنة 1787 تعديل بعض أحكامه قبل سنة1808 .وفي المغرب يمنع القيد الثاني تعديل الدستور في ظروف غير عادية .
- تحريم تعديل بعض أحكام الدستور بصفة دائمة:    تحرم بعض الدساتير إدخال تعديلات على الأحكام التي تعتبرها جوهرية، إذ يحرم الدستور الفرنسي الصادر سنة  1958  تعديل النظام الجمهوري ويحرم الدستور الألماني الصادر سنة 1949 كل تعديل يمس النظام الفيدرالي للدولة،  ويحرم الدستور المغربي منذ 1962  تعديل أحكام الدستور التي تتعلق بالنظام الملكي والدين الإسلامي.
     ثانيا : القيمة القانونية لمنع تعديل الدستور :
اختلف الفقهاء بخصوص القيمة القانونية لهذا التحريم وانقسموا في ذلك إلى قسمين :
- القسم الأول ينفي أية قيمة قانونية لهذا التحريم لأنه يخالف طبيعة القاعدة القانونية من جهة ،ولا يتفق مع مبدأ سيادة الأمة من جهة أخرى ،لأن الأمة لا تستطيع أن تتنازل عن سلطتها التأسيسية ولو بصفة مؤقتة.  
-  وأما القسم الثاني، فإنه يعطي هذا التحريم قيمة قانونية اعتمادا على أن السلطة التي تعدل الدستور هي سلطة محدثة من قبل السلطة التأسيسية ولا يمكن لها، بدون أن تنحرف بالسلطة، إدخال تغيير على الدستور يتنافي ما نصت عليه السلطة التأسيسية .   
وإن كان الرأي الثاني هو الأرجح، فإنه كما أكد جورج بيردو  2Georges Burdeau. ليس لجيل معين أن يفرض إرادته على الأجيال اللاحقة ويحرمها من تعديل دستورها بما يتفق وظروفها.3


                 المطلب الثالث:   نهاية الدساتير
               لإنهاء العمل بالدساتير، هناك الأسلوب العادي والأسلوب الثوري.
الفقرة الأولى: الأسلوب العادي لانتهاء الدساتير: الإلغاء

يقصد بالأسلوب العادي لانتهاء الدستور، إلغاءه وانتهاء العمل به بهدوء وبغير عنف، والاستعاضة عنه بدستور آخر جديد.
ولا يثير هذا الموضوع إشكالا أو صعوبة بالنسبة للدساتير المرنة، ذلك أن تعديلها جزئيا أو كليا أي إلغاءها يكون عن طريق نفس السلطة وذات الإجراءات المتبعة في شأن تعديل وإلغاء القوانين العادية  كإنجلترا...
أما بالنسبة للدساتير الجامدة:  فمعظم الدساتير لا تنص على كيفية إلغائها هل يجوز للسلطة التي تملك إجراء التعديل الجزئي على الدستور أن تعدله كليا ؟
يكاد الإجماع ينعقد بين فقه القانون الدستوري، على منع السلطة التي تملك حق تعديل الدستور تعديلا جزئيا من حق التعديل الكلي أو الشامل للدستور، فهذا الحق ( التعديل الشامل) يكون منوطا بالأمة وحدها – في النظم الديمقراطية- باعتبارها صاحبة السلطة التأسيسية الأصلية.








 الفقرة الثانية:   الأسلوب غير العادي لانتهاء الدساتير.
إن الثورة  تستهدف التغيير الشامل للنظام السياسي القائم، وهذا من شأنه أن ينال من النظام الدستوري المعمول به.
ويترتب على نجاح الثورة سقوط الدستور المعمول به، لكن يمكن أن يظل الدستور معمولا به رغم نجاح الثورة لفترة مؤقتة ولكن يلزم لذلك موافقة صريحة من رجال الثورة،
ومهما يكن اختلاف الفقهاء، حول تكييف آثار الحركة الثورية، من الناحية القانونية، فإنهم متفقون على أثر الثورة: وهو سقوط الدستور الحاكم.




أتمنى لكم التوفيق.








1 commentaires:

إرسال تعليق

المحاضرات mp3

للتحميل المحاضرات على صيغة mp3
المرجو استعمال هذا الموقع
يكفي ان تضعوا رابط المحاضرة من يوتيب و تحميل المحاضرة
http://www.clipconverter.xyz/

f

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More