Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

Follow by Email

Derniers sujets

المشاركات الشائعة

الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

 المحاضرة السادسة  العاقدان وشروطهما في الأهـلية :




    المحاضرة السادسة

    العاقدان وشروطهما في الأهـلية :
إذا كان الفقهاء قد تطلبوا في العاقد أن يكون أهلا للتعاقد وصاحب ولاية في التعاقد ينبغي لنا أن نتحدث عن الأهلية أولا ونقوم بتعريفها الأهلية في اللغة : الصلاحية يقال فلان أهل كذا أي يصلح لكذا وهذا أهل لبيع ما يريد أو للشراء إلى غير ذلك من الأعمال .
    وفي الاصطلاح : صلاحية الإنسان لأن تثبت له الحقوق وتثبت عليه وكونه صالحا لإبرام التصرفات وإنشاء الالتزامات. فهي صلاحية الإنسان للإلزام (لغيره) والالتزام (على نفسه) فإذا صلح الشخص لثبوت الحقوق المشروعة له وثبوت الحقوق عليه فإنه يكون ذو أهليه لإصدار العبارة القولية التي تحدث أثرها في إنشاء الالتزام وإبرام العقود.
    أنواع الأهلية  :
يقسم الأصوليون الأهلية إلى القسمين التاليين :
أولا : أهلية الوجوب .   
    ثانيا : أهلية الأداء .
     أولا : أهلية الوجوب :
هي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه. والأساس في ثبوت هذه الأهلية للإنسان من عدمه هو هل له ذمـة أم لا. وهى صفة شرعية يقدرها الشارع في الإنسان .
- لمن تثبت هذه الأهلية :
    تثبت هذه الأهلية للشخص بمجرد وجود الحياة فيه ، فمنذ ولادته تتحقق له أقسامها : وأهلية الوجوب نوعان كاملة - ناقصة .
1-    أما أهلية الوجوب الناقصة : فهي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق دون أن يلزمه حقوق لغيره .. ولقد ذهب الفقهاء إلى إثبات هذا النوع من أهلية الوجوب للجنين في بطن أمه وقبل ولادته وبها يكون صالحا لثبوت بعض الحقوق له كحقه في الإرث لو مات مورثه قبل ولادته واستحقاقه من غلة الوقف ، وثبوت النسب له من أبيه . وعلى هذا فأهلية الوجوب تثبت للإنسان لمجرد آدميته قبل ولادته وبالتالي تثبت له حقوقه الطبيعية - فتثبت للجنين الحقوق التي لا تتوقف على قبول كثبوت نسبه ، وحفظ حقه في الميراث حتى يولد ويتبين نوعه والوصية فهي تصح للحمل في بطن أمه بضوابط محددة عند الفقهاء .. واعتبرت هذه المرحلة من أهلية الوجوب للجنين ناقصة لأنه لا تثبت له الحقوق التي تحتاج إلى قبول فإنها لا تثبت له ، فلا عبارة له ، وليس هناك من ينوب عنه قبل ولادته - كما أنه لا يجب عليه حق للغير فليس هناك واجب محدد في هذا المجال ومن هنا كانت أهليته ناقصة  - ولا ننسى أن الشرع قد رتب للإنسان بمجرد الحكم بحمل أمه فيه العديد من الحقوق لحمايته كحقه في الحياة ، والحق في سلامة جسده من الإيذاء وهنا وضع الشارع من العقوبات الشرعية ما يحميه فتجب دية محددة على من يضرب حاملا فيقتل الجنين في بطنها لأن للجنين حياة وفر الشرع لها الحماية حتى تخرج وقد تحققت لها السلامة المشروعة إلى الحياة فيحكم بسلامة ما أمضاه في بطن أمه ويشق طريقه في الحياة بخروجه إليها.
2-    أهلية الوجوب الكاملة : وهى صلاحية الشخص لأن تكون له جميع الحقوق وان تجب عليه الواجبات التي يمكن أداؤها عنه. ويبدأ التمتع بهذه الدرجة من الأهلية منذ انفصال الإنسان عن جسد أمه حيا وتتيح هذه الدرجة من الأهلية لصاحبها أن تثبت له حقوقه المالية كما أنه قد يتحمل بعض الواجبات وليس لزاما أن يؤديها بنفسه فهي تجب في ماله ويمكن لوليه أن يؤديها عنه كإخراج الزكاة عن ماله الذي ورثه . كما تثبت في ماله الجزاءات المادية لا البدنية .. وبالمقابل لا تجب عليه العبادات لأنه ليس أهلا للامتثال - كما لا يستطيع أحد أن يؤديها عنه لأنها لم تجب عليه ، كما لا تجب عليه جزاءات بدنيه كالقصاص والحدود لعدم إدراكه وانتفاء قصده .
    وقد ذهب الأصوليون : إلى القول بأن مناط أهلية الوجوب الكاملة هو قيام ذمة صالحة لتلقى الحقوق وأداء الواجبات والذمة : هي وصف شرعي افترض الشارع وجوده في الإنسان وجعله وعاء للوجوب والتحمل للإنسان أو عليه. وهذه الذمة عند الفقهاء : تدخل فيها الحقوق والواجبات غير المالية أيضا كالواجبات الدينية من صلاة، وصوم والمالية أيضا كالزكاة ونفقة الديون .
    ويظهر لنا أن أهلية الوجوب ولو كانت كاملة وهى الممنوحة للإنسان منذ ولادته وحتى بلوغه سن التمييز في السابعة من عمره لا تمنح هذه الدرجة من الأهلية صلاحية لإبرام التصرفات وإنشاء العقود والالتزامات لأنه لا يملك إدراكا لهذه الأمور وهذا يدفعنا للحديث عن النوع التالي من الأهلية الذي يعطى هذه المهام الأكثر دقة.
     ثانياً: أهلية الأداء :
هي درجة أعلى من الأهلية وإذا كانت أهلية الوجوب تمنح لكل حي من البشر أيا كانت حالته الإدراكية فهي ممنوحة للمجنون وللصحيح أما أهلية الأداء فنظرا للإمكانيات والصلاحية الخاصة التي تمنحها لصاحبها فهي لا تمنح إلا في ظروف معينة تحيط بالإنسان ويمكن سلبها منه في ظروف معينة سيأتى تفصيلها على عكس أهلية الوجوب .
    مفهوم أهلية الأداء :
يعرفها الأصوليون بأنها : صلاحية الإنسان لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعا .
    ويعرفها الفقهاء : بأنها صلاحية الإنسان لأداء الواجبات وتلقى الحقوق وإبرام التصرفات وإنشاء الالتزامات . فهي تشمل صلاحيات أهلية الوجوب في تلقى الحقوق وأداء الواجبات ويضاف لذلك أهلية المعاملات والتصرفات في كل المجالات وما يترتب عليه من إلزام والتزام .
    أساس أهلية الأداء :
المعيار الذي تثبت به أهلية الأداء هو «العقل» فثبات صلاحية العقل وقدراته يمنح الإنسان أهلية الأداء الكاملة ولما كان اكتمال عقل الإنسان وتميزه يمر بمراحل ولا يكتمل مرة واحدة .. كان تقسيم أهلية الغداء إلى كاملة ، ناقصة .
‌أ)    أهلية الأداء الناقصة :
    يبدأ الاعتداد بأهلية الأداء عندما يبلغ الإنسان سن السابعة عند الفقهاء وهى السن التي يتاح للإنسان عند هذا السن قسط من التمييز لديه يتيح له قدرا من أهلية الأداء ناقصا حتى يكتمل مع نموه العقلي إلى أهلية أداء كاملة.. وقد أتفق الفقهاء على أن مرحلة انعدام « أهلية الأداء » تماما هي ما قبل السابعة تنفرد فيها أهلية الوجوب فقط ولا تزدوج مع أهلية الأداء كما هو الحال بعد السابعة يتمتع الإنسان بهما معا حسب درجة أهلية الأداء .. وبالتالي فكل الفقهاء يصفون عديم أهلية الأداء بأنه ليس لقوله اعتبار وأفعاله وعباراته لاغيه فلا ترتب عقدا ولا التزاما لانعدام إرادته ونسبة التمييز عنده أن وجدت فهي غير مؤثرة .
- أما مرحلة أهلية الأداء الناقصة (مرحلة التمييز):
    فهي المرحلة التي تبدأ بالتمييز وحتى بلوغ سن الرشد وهو المانح لأهلية الأداء الكاملة .. وسميت بمرحلة التمييز ويسمى من يحملها لدى الفقهاء بالصبي المميز بكسر الياء المشددة لأنه يستطيع إدراك معاني عبارته ومقصودها وتتكون لديه قدرة على الفصل بين ما ينفعه وما يضره .
    لكن ما حكم التصرفات التي يقوم صاحب أهلية الأداء الناقصة (الصبي المميز) بها ؟؟.
    جمهور الفقهاء : ذهبوا إلى أن تصرفات الصبي المميز خلال هذه المرحلة محدودة فهو يستطيع أن يتلقى التبرعات ويقبلها لأنها نافعة له مطلقا ولا يستطيع التبرع من ماله للغير لأن في ذلك الأضرار به. كذا لم يوافقوا على قيامه بالتعاملات التي تحتمل الكسب والخسارة .
أما الأحناف : فقد اتفقوا مع جمهور الفقهاء في أن الصبي المميز ليس من صالحه التبرع بماله ويكون تبرعه تصرفا باطلا .. كما أجازوا وصححوا قبوله للتبرعات من الغير أما التعاملات التي تحتمل الربح والخسارة وبمعنى أدق النفع والضرر للمميز كالبيع والشراء والتجارة عموما فقد أجازوا له القيام بهذه التصرفات مع قيد هام وهو أن يكون ذلك موقوف على أجازة وصيه .. أي أن التصرف صحيح لكنه لا ينفذ حتى يعرض على من له الولاية عليه فإن أجازه كان صحيحا ونافذا وأن رفضه اعتبر كأن لم يكن .
وخلاصة القول : أن الأحناف يقسمون التصرفات خلال مرحلة المميز إلى ثلاثة أقسام :
- الأول : التصرفات الضارة للمييز ضررا محضا أي خالصا: وهذا القسم لا يملك الصغير ولا وليه ولا الوصي أو القاضي أجازته - ولو حدث منه يكون باطلا حماية للصغير ولحقوقه .
- الثاني : التصرفات النافعة نفعا محضا للمميز وذلك كقبوله التبرعات الممنوحة له من الغير كالهبة له أو التصدق عليه فلو قبلها كانت نافذة من غير توقف على موافقة من أحد.
- الثالث : التصرفات المحتملة للنفع والضرر لأنها تحتمل الربح والخسارة كالبيع والشراء والرهن مثلا وهذا القسم وان كان المميز  يستقل بممارسته ويصح منه إلا أنه لا يستقل فيه بل يتوقف نفاذه على موافقة وإجازة من يشرف عليه وقد برر هؤلاء صحة أبرام هذه التصرفات من المميز فهو يبرم عقدا صحيحا من ناحية تكوينه - فهو يتمتع بأهلية معقولة .. ولأن السماح له بهذا النوع فيه تدريب واكتساب خبرة ، وتطوير لنمو عقله وتمييزه وربما نشأ في بيئة ذات خبرة في تعامل معين فيكتسب منها حتى يبلغ رشيدا مكتمل الأهلية .
 * كيفية إجازة تصرفات الصبي المميز :
    وإجازة تصرفات الصبي المميز وتعاملاته قد تكون سابقة على التصرف وتعرف بالأذن السابق وقد تكون لاحقه أى بعد القيام بالتصرف . كما أن الإجازة والأذن قد يكون صريحا .. كأن يقول للصبي أذنت لك بالبيع والشراء مثلا أو ضمنا .. كما لو شاهده يبيع وهو يراقبه ساكنا دون اعتراض والقاعدة .. أن الأجازة اللاحقة تعد كالأذن السابق فيعتبر التصرف في حال الأجازة صحيحا من وقت ابتدائه ويرتب آثاره أما إذا رفض المشرف على الصغير المميز تصرفه بطل من لحظة إبرامه أو يوقف التصرف حتى يبلغ الرشد ويستقل بتصرفه فيجيزه أو يرفضه.
‌ب)    أهلية الأداء الكاملة (مرحلة البلوغ والرشد) :
    وهذه هي مرحلة اكتمال أهلية الأداء لدى الإنسان - فيصبح مطالبا بكافة التكاليف الشرعية من العبادات وحقوق الله كما يسأل عن جميع أعماله فيحد إذا ارتكب جريمة من جرائم الحدود الشرعية - كما يقتص منه - كما يحق له التعامل في ماله تصرفا وإنشاء للعقود وللالتزامات وإدارة لكل شئون ماله .
 *أساس هذا النوع من الأهلية :
    يعتبر ضابط هذه الأهلية ومعيارها « البلوغ والرشد » :
    أولا : البلوغ : وقد جعل الشارع مناط هذه الدرجة من الأهلية على أمر ظاهر واضح هو البلوغ مقترنا بالرشد وهما مجتمعان قرينة اكتمال العقل ورجحانه وإطلاق يد الإنسان في ماله ليتصرف فيه بإرادته الكاملة دون توقف على موافقة أحد وفي هذا يقول تعالى  وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ  وقد جمعت الآية بين امارتى العقل البلوغ والرشد كضابط لتسليم اليتامى لأموالهم من يد من لهم الولاية على أمولهم.
- علامات البلوغ وبم يتحقق ؟
    قد يكون البلوغ بظهور الأمارات الطبيعية باكتمال النمو الطبيعي للذكر والأنثى والتي تختلف باختلاف البيئات ومناخها فإذا تأخر ظهور هذه الأمارات كان معيار البلوغ هو السن والذي أختلف الفقهاء في تحديده .. فذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه الثامنة عشر للذكر والسابعة عشر للأنثى ، وصاحبا الإمام أبو حنيفة إلى أنه خمس عشرة سنة للذكر والأنثى وذهب الإمام مالك بأنه سبع عشرة سنة للذكر والأنثى والراجح المعمول به إفتاء هو رأى الصاحبين .
    ثانيا : الرشد : ومفهومه عند الفقهاء هو حسن التصرف في المال. وهو عكس السفه الذى هو تبذير المال وإتلافه في غير موضعه.
    والبلوغ وحده ليس كافيا للحكم على كمال العقل واكتمال الأهلية والحكم للانسان بصحة تصرفاته واستقلاله بماله دون رقابة ولكن لابد لتحقق ذلك من بلوغه رشيدا.
* مفهوم الرشد لدى الفقهاء وأحواله :
    جمهور الفقهاء : على أن الرشد هو الصلاح في المال.. بغض النظر عن الرشد في أمور أخرى فمتى أجتمع الرشد مع البلوغ ثبتت أهلية أداء كاملة - تعطى صاحبها كافة الصلاحيات من أبرام عقود وإنشاء التزامات - وكانت له عبارة صحيحة لها أثر فوري .
    ومذهب الشافعية : إلى القول بأن الرشد إذا كان مفهومه حسن التصرف في المال فإنه ينبغي لكي يكون الإنسان رشيدا أن يكون عدلا في دينه أيضا فإذا بلغ الإنسان فاسقا أي غير عدل في دينه وان كان يحسن التصرفات المالية لا يعد رشيدا عندهم . بل ذهب بعض الفقهاء كالظاهرية إلى القول بأنه لا رشد إلا في الدين.
-  أما أحوال الرشد عند الفقهاء :
    نجد أن الفقهاء لم يحددوا سنا للرشد لكونه يختلف تبعا لفطرة الشخص واستعداده ويختلف باختلاف البيئات والأوضاع المختلفة من تربية وتعليم .. لكن القرائن تدل على أن الرشد لا يعد قائما قبل البلوغ والذي حدد له سن لدى الفقهاء على النحو المبين سلفا فالبلوغ شرط مبدئي للرشد ..
- لكن ما الأمر إذا بلغ الإنسان غير رشيد ؟
    بديهي أنه لا خلاف بين الفقهاء في اتصال البلوغ بالرشد فعندها يسلم الإنسان ماله يديره كيف يشاء ويبرم من العقود والتصرفات الصحيحة الكاملة الأثر بإرادته .
    لكن اختلف الفقهاء : في حالة بلوغ الإنسان غير رشيد .
    فجمهور الفقهاء : ومعهم الصاحبان من الأحناف إلى أنه يجب استمرار الإشراف على البالغ غير رشيد إلى أن يظهر رشده ولو تأخر هذا الرشد وأن قيد بعض الفقهاء هذا الأمر بضرورة حكم القاضي بعدم الرشد واستمرار الأشراف عليه .
    أما الإمام أبو حنيفة : فذهب إلى أن الإنسان لو بلغ غير رشيد فإنه لا يتمتع بأهلية أداء كاملة بل هى ناقصة فيستمر كالصبي المميز حتى يرشد .
    ونقطة الخلاف بين الرأيين في مدى الاستمرار في الإشراف على هذا البالغ غير الرشيد - ؟؟.
    فالجمهور على أنه يستمر الإشراف عليه لنقص أهليته لعدم رشده ولا يتسلم ماله ولا يعـد تصرفـه صحيحـا استقلالا ولو أستمر على ذلك طيلة عمره.
    أما الرأي الثاني فذهب الإمام أبو حنيفة إلى وضع حد أقصى لكف يد الإنسان البالغ غير رشيد عن استقلاله بتصرفاته وبأمواله وهو سن الخامسة والعشرين ينتهي عندها وصفه بالنقص في أهليته والحجر على تصرفاته وأمواله وبرر ذلك بأنه لا يتصور استمرار منعه من التصرف وقد صار مثله من أقرانه جَدًّا .
    وقد حددت التشريعات القانونية المصرية سن الرشد ببلوغ الصغير سن الحادية والعشرين كما جاء في نص المادة 44 من القانون المدني المصري والمادة 18 من قانون الولاية على المال عندها يستطيع أبرام التصرفات والعقود والتعامل مع أمواله استقلالا، على أن بلوغ هذه السن ليس قرينة قاطعة على الرشد في القانون وإنما ذلك لو اقترن ببلوغه هذه السن مكتملا وألا لو تخلف هذا الاقتران كأن بلغ هذه السن غير عاقل أو معه سبب من أسباب اختلال الرشد ظلت يده قاصرة عن الاستقلال بالتصرفات والتعامل مع المال واستمر محجورا عليه - ولعل القانون في هذا يتفق مع وجهة نظر جمهور الفقهاء من استمرار الحجر عند تخلف الرشد - وان خالف القانون سن البلوغ عند الفقهاء المقترن بالرشد والمفتى به.
« عوارض الأهلية »
    قد تطرأ على الإنسان بعد بلوغه رشيدا موانع أو عوارض تؤثر على عقل الإنسان ووفقا لدرجة وطبيعة هذا المانع فقد يزول العقل أو ينقص معها فيتأثر رشد الإنسان وكمال أهليته .
- وهذه العوارض تنقسم عند علماء الأصول إلى :
     عوارض سماوية : وهى التي لا دخل للإنسان فيها كالجنون - العته .
     عوارض مكتسبة : للإنسان دخل فيها تنشأ بفعله أو بفعل غيره كالسكر أو السفه أو الدين أو النوم أو الإغماء ، ومرض الموت ، والخطأ ، والتدليس الدافع إلى الغبن والإكراه ولما كان الحديث في هذه الدراسة مركزا على التعاقد فإننا نختار أهم العوارض التي تؤثر في أهلية الأداء التي هي أساس التعاقد وتجنبا للتكرار فلن نتحدث عن العوارض التي ذكرنا تأثيرها على الإرادة فيما سلف كالسكر ، الخطأ ، الإكراه ونتحدث عما عداه .   
    أولاً : الجنون : وهو آفة تصيب الإنسان فتحدث خللا في التمييز بين الأشياء الحسنة وغيرها ويخل بإدراكه بالعواقب وهو نوعان :
أ - جنون مطبق أي مستمر وهو الذي يزيل العقل تماما وبصفة مستمرة فيطبق على كل العقل جميع الوقت وأثره : أنه يعدم أهلية الأداء تماما فمثله مثل الصبي غير المميز وذلك لانعدام الإدراك تماما. ولا أثر لعبارته.
ب- جنون غير مطبق ( متقطع) وهو الذي يزول العقل فيه لبعض الوقت ويفيق لبعض الوقت .
    وحكم تصرفاته : إنها تأخذ حكم تصرفات الجنون المطبق حال الجنون فتنعدم أهليته وحكم تصرفات الإنسان الصحيح حال الافاقه - ومدار تحديد درجة الجنون مرجعها أهل الخبرة من الأطباء .
    ثانياً: العته : بفتح العين والتاء : وهو ضعف في العقل ينشأ عنه ضعف في الوعي والإدراك يجعل الشخص مختلط العقل فيشبه بعض كلامه كلام العقلاء والبعض كلام غير العقلاء .
    وحكم تصرفاته ودرجة أهليته أنه كالصبي المميز في الأقسام الثلاثة لتصرفاته وله أهليه أداء ناقصة . والقانون المصري في المادة 114/1 جعل كل تصرفات المعتوه كالمجنون بعد صدور قرار الحجر عليه .
    ثالثاً : السفه : بفتح السين المشددة والفاء وهو التبذير والإسراف في إنفاق المال على غير ما يقضى به العقل والسفيه هو الشخص الذي لا يحسن تدبير المال وينفقه على خلاف مقتضى العقل والشرع . والسفيه سليم العقل من الناحية الصحية إلا أنه يقصد الموازنة في إنفاق ماله .. كمن يبدد أمواله في الرفاهية ويترك الضروريات كعلاج مريض أو تعليم مثلا. ومن المعلوم أن الإنسان لو بلغ سفيها فلا تسلم إليه أمواله وليس أهلا للتصرف لقوله تعالى «فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا أليهم أموالهم» والسفيه لا نأنس منه رشدا عند بلوغه وبالتالي لا يسلم له ماله . لكن ما لحكم لو بلغ الإنسان رشيدا ثم أصبح سفيها في درجة أهليته وحكم تصرفاته وإدارة أمواله ؟؟ أختلف الفقهاء في جواز الحجر عليه والحجز على ماله ثانية .
    أولاً : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من بلغ رشيدا ثم صار سفيها يجب الحجر عليه ففي الحجر تحقيق لمصلحته، حتى نمنعه من الأضرار بنفسه ثم من الأضرار بغيره ممن ينتفعون بماله كمن تجب عليه نفقتهم من أولاد وزوجة ووالدين وأقارب.
    ثانياً : ويرى الأمام أبو حنيفة وبعض الفقهاء : عدم جواز الحجر على من صار سفيها بعد بلوغه رشيدا ذلك لأن في الحجر عليه قيد كبير على حريته والراجح : هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء فبالإضافة إلى المبررات العقلية التي ذكروها سابقا ما جاء من بلاغة البيان في قوله تعالى  وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا  فالآية الكريمة لم تنسب مال السفيه إلى نفسه فلم يقل « ولا تؤتوا السفهاء أموالهم » وإنما نسبتها إلى المكلفين بحفظها فقال « أموالكم » فالمال بالرغم من ملكيته للسفيه - إلا أنه بتعرضه للضياع إذا بقى بيده يصير مال الجماعة وينبغي الحفاظ عليه لأن المال له أهداف محددة شرعا كما جاء في الآية « أموالكم التي جعل الله لكم قياما » أي سببا في القيام على المعاش وانتظام الحياة وختمت الآيات أنه بزوال السبب وهو العودة إلى الرشد والتعقل يعود المال لصاحبه لإنفاقه في الأوجه المشروعة فيقول تعالى فإن « آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم » وهنا صار التعبير أموالهم عندما صار السفيه رشيدا قادرا على حفظ ماله .
    أما الأهلية المتاحة للسفيه خلال الحجر عليه فأهلية أداء ناقصة مثل الممنوحة للصبي المميز وتأخذ تصرفاته حكم تصرفات المميز. وينبغي أن نوضح أيضا أن الراجح من آراء الفقهاء بعد أن ذهب بعضهم إلى أن السفه كاف للحجر على السفيه دون توقف على رأى القضاء وحكمه ويرتفع الحجر بمجرد زوال السفه لكن ما نرجحه أن السفيه لا يصير محجورا عليه إلا بحكم القاضي لأن السفه من الأمور التقديرية التي تختلف فيها الأنظار وفقا للعرف والبيئة - كما أن الحجر دون حكم القضاء فيه إضرار فجائي بالمتعاملين مع السفيه قبل أن يعلموا تفاصيل موقفه .
    رابعاً : الغفلة :  بفتح العين وسكون الفاء وهى ضعف الإدراك يجعل الشخص لا يهتدي إلى التصرفات الرابحة ويخدع في التعامل مع الآخرين أو هى عدم الاهتداء الى التصرفات الرابحة نتيجة قلة الخبرة التي تجعل صاحبها لا يهتدي إلى ذلك. والفرق بين السفيه وذي الغفلة واضح فالأول كامل الإدراك لكنه ضعيف الإرادة متلف لماله أما ذو الغفلة فضعيف الإدراك لقلة خبرته ، وعدم اكتساب المزيد من الوعي في التعامل .
    وحكم تصرفاته ودرجة أهليته : أن أهلية أدائه ناقصة وحكم تصرفاته وعقوده وتعاملاته كالسفيه تماما مثلهما مثل الصبي المميز.
    وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الغفلة تستوجب الحجر على صاحبها فإذا ما تدرب وصار خبيرا لا يغبن ويعرف طريق الربح.. رد له ماله .
    أما الإمام أبو حنيفة فيرى أن الغفلة لا توجب الحجر لأن فيها قيد على الحرية . والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء لأن في الحجر عليه حفظ لماله من استمرار الغبن الذي يقع فيه بفعله وتصرفه وحتى يستطيع التدريب واكتساب الخبرة خلال فترة التوقف بالحجر.
    خامساً ـ مرض الموت : الأصل أن أهليه الإنسان لا تتأثر بالمرض لأنه عرض طارئ لا يحيل بين عقل الإنسان وإرادته ، لكن هناك أنواع من الأمراض الميئوس من شفائها والمحددة عند الأطباء أهل الخبرة وهى تبلغ من الخطورة حدا يجعلنا نحرص على أمواله لأن هناك حقوقا لهذا المريض في ماله وحقوقا لغيره وتفاديا للإضرار بأي جانب ومن هنا تدخل الفقهاء ولبيان درجة أهلية المريض مرض الموت لتحديد مستوى التصرفات التي يبرمها في حق نفسه أو في حق غيره.
    أولاً : من هو المريض مرض الموت ؟؟ هو المريض بمرض يغلب معه الموت عادة ويتصل به دون فاصل وليس بشرط أن يكون مرض الموت مرضا عضويا فهناك حالات تأخذ حكم مرض الموت وليست أمراضا عضويه وذلك لاتصال الموت بها دون فاصل خلال فتره زمنيه وذلك كالمحكوم عليه بالإعدام .
    ومن يشرف على الهلاك بالغرق كمن دخلت سفينته خليجا خطرا يندر النجاة منه ، والمحاط بحريق في مبنى مرتفع فإن انتهت حتما بالموت تسرى عليها أحكام تصرفات مرض الموت . فإن كان هذا المرض أو هذه الحالة لم تؤد إلى الموت خلال عام كما ذكر الأحناف من بدء الحالة فإن تصرفاته تكون صحيحة إلا إذا أشتد الأمر مرة أخرى فتحتسب له حالة المرض وهكذا .
-  تصرفات المريض مرض الموت :
    أولاً : في شأن نفسه : للمريض مرض الموت الحق في الإنفاق على شئونه من ماله بما يحتاجه من نفقة معيشة ودواء وكل ذلك بما هو معروف عرفا ويقرره الشرع .
    ثانياً : في حق الغير : المعروف أن الإنسان الصحيح لا يحق لأحد التدخل في تصرفاته أو إبرامه ما يشاء من العقود طالما انه لا يتعلق بأمواله حق للغير لأنه في حال صحته لكن لما كان المريض مرض موت أصبح على خطر الموت في الحالات التي ذكرناها فجعل الشارع المرض هذا سببا في تعلق حقوق الغير ممن لهم مصلحة أو حق لديه بأموال المريض مرض الموت وذلك خلال المرض وقبل الموت فيحد من بعض تصرفاته محافظة على حقوق الغير المنتظرين لوفاته كنتيجة للحالة التي يعيشها فإن اتصلت هذه الحالة بالوفاة كان هذا الحظر على المريض صحيحا .. وان نجا منه عادت كل تصرفاته صحيحة لأنه صار في حال الصحة مثل غيره من الأصحاء.
    لكن من هم الذين لهم تعلق وحقوق بأموال المريض مرض الموت ؟؟ على رأس هؤلاء الدائنون الذين لهم ديون في ذمته متعلقة بماله وهم مرتبون الدائنون الممتازون وهم المرتبطة ديونهم بضمان كرهن أو كفالة ثم الدائنون العاديون الذين خلا دينهم من الضمان - ثم يأتي بعد ذلك الموصى له بشىء من أمواله ثم الورثة المنتظرون للتركة لتقسيمها عليهم.
    ولما كان المريض مرض الموت يتمتع بأهلية أداء ناقصة لأنه ليس كالصحيح فهي موقوفة على إجازة وموافقة من تعلقت حقوقهم بأمواله ويبدأ تدخلهم إذا اتصل الموت بالمرض بعد هذه التصرفات كما ذكرنا.
    فقد ذهب جمهور الفقهاء : إلى أن تصرفات المريض مرض الموت تكون صحيحة من حيث إبرامها وعبارتها إلا أنه من حيث نفاذها وأثرها في حق الغير موقوفة .. فينظر بعد وفاة المريض إن كان تصرفه حال حياته مناسبا فقد كان خاليا من المجاملة أو المحاباة ولم يضر بماليته كأن باع سيارته التي تساوى ثلاثين ألفا بنفس الثمن أو أكثر - فالتصرف صحيح وليس أمامهم إلا إقرار هذا التصرف عند عرضه عليهم - أما أن كان تصرف المريض ضارا بماليته وقت إبرامه كأن غبن في بيعه أي خدع فباع بأقل من السعر المناسب فباع السيارة التي قيمتها عشرة آلاف بتسعة آلاف أو كان تصرفا ضارا كالمتبرع فإن الفقهاء جعلوا هذه التصرفات موقوفة ولا تنفذ فإن حدثت الوفاة عرضت التصرفات على من تعلقت حقوقهم بما له فإن أقروها نفذت وألا بطلت ، ولكن الفقهاء وضعوا قيوداً لحماية تصرفات المريض ابتداء قبل مرحلة الإجازة فإذا كانوا يتسامحون في الغبن اليسير الذي يتسامح فيه الناس عادة فإنهم لا يتسامحون فيه في تعاملات المريض مرض الموت كما لو باع منزلا يساوى خمسين ألفا بخمسين ألفا إلا خمسين جنيها .. كما لم يسمحوا له بالتبرع إلا في حدود ثلث ماله فقط خلافا للصحيح الذي يستطيع التصرف مطلقا فلو تبرع بما يزيد على الثلث توقف ما زاد على أجازة هؤلاء ومفهوم التبرع يشمل كل ما أحدثه من تبرعات لتشمل الوصايا ، الوقف والهبات وغير ذلك .
    وقد اقترب القانون المدني من رأى الفقه الإسلامي حيث اعتبر تصرف المريض مرض الموت بالتبرع في حكم الوصية فنص في المادة (916) على أن « كل عمل قانوني يصدر من شخص في مرض الموت ويكون مقصودا به التبرع .. تسرى عليه أحكام الوصية .. أيا كانت التسمية التي تعطى لهذا التصرف ».
    وخلاصة القول : أن مرض الموت يؤثر على الأهلية ويجعلها ناقصة في تصرفات محددة ويجعل نفاذها موقوفا على موافقة من تعلقت حقوقهم بأموال المريض مرض الموت .
    سادساً: الدَّين : طبيعي أن يحتاج الإنسان في تعاملاته للأجل في الوفاء بالتزاماته فتشغل ذمته المالية بحقوق للآخرين ممن يتعامل معهم ولا أثر لهذا الدين على درجة أهليته طالما أن ديونه في إطار أمواله يستطيع الوفاء بها أو تساويها أو تصرفاته مطمئنة وفي استطاعته الوفاء بديونه لكن هناك صورة من الدين تؤثر على أهليه المدين وحريته في التصرف الطبيعي في ماله هي .. حالة الدين المستغرق : وهى الحالة التي تزيد فيها ديون الإنسان على أمواله وعند الوفاء تستغرق الديون لكل أمواله أو لا تكفي للوفاء وتعجز عن أبراء ذمته. كمن عليه مائه وثمانون ألف جنيه ديونا لغيره وأمواله ثمانون ألف جنيه فقط .. فهذه حاله استغراق الدين للمال .
    فما أثر الدين المستغرق على أهليه المدين وتصرفاته وهل يجوز الحجر على ماله كالسفيه والمعتوه ؟؟.
    لما كانت حالة المدين بدين مستغرق حاله خاصة تستوجب خوف من تعلقت حقوقهم بأمواله وعلى رأسهم الدائنون ومن هنا فقد ذهب جمهور الفقهاء : إلى أن أهلية المدين بدين مستغرق تتأثر فيختلف عن المدين العادي أو سليم الذمة الحالي من الديون وبالتالي تقيد يده عن التصرفات ويجوز الحجر عليه عند طلب الدائنين لهذا لمنعه من القيام بأي تصرف يضر بحقوقهم التي في ذمته - فقد يبيع ما يملكه أو يتبرع به اذا لم يحجر عليه فلا ينال هؤلاء شيئا من حقوقهم وهذا الحجر هدفه المحافظة على حقوق الدائنين ، بل مصلحة المدين نفسه فإنه بتنظيم تصرفاته وسداد ديونه ستعود إليه الثقة في ذمته ويعود الناس للتعامل معه .. وقد ذهب الصاحبان ضمن رأى الجمهور إلى ضرورة أن يتم الحجر على المدين المستغرق بناء على طلب الدائنين أو طلبه هو حماية له .
    أما الإمام أبو حنيفة : فقد ذهب إلى عدم جواز الحجر على المدين المستغِرق وذلك لأن في الحجر عليه إهدار لحريته، وفي الحجر عليه ضرر أشد من الأذى الذي يلحق بالدائنين من تأخر استيفائهم لديونهم وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن هناك وسائل أخرى يمكن اللجوء إليها لإجبار المدين على الوفاء بدينه كالضغط عليه قضاء أو تهديده بالحبس مادام قادرا على السداد .. حتى ولو طلب الدائنون من القاضي الحجر عيه ومن باب أولى لا يحبس القاضي المدين المعسر لعذره وذلك مصداقا لقوله تعالى  وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ  .
        وفي حالة الحجر على المدين المماطل وهى الأقرب لدفع ظلم المماطل كما جاء في قوله ( صلي الله عليه وسلم ) [ لىُّ الواجد ظلم يحل دمه وعرضه ] فلا أقل من الحجر عليه وعندئذ لا يحجر على المدين المستغرق إلا بطلب الدائنين ، وحكم القاضي ويسقط عنه الحجر بسقوط ديونه عنه بالوفاء أو بالإبراء - ودرجة أهلية المدين خلال فترة الحجر عليه هي نفس أهلية الصبي المميز تصرفات موقوفة على إجازة الدائنين أما تصرفاته قبل الحجر فصحيحة لا دخل للدائنين بها ، كما أن الحجر يقع على أموال المدين عند الحجر وليس ما اكتسبته ذمته بعد الحجر فله حق التصرف فيها .
    وأخيرا هناك من العوارض التي تلحق بالإنسان فطريا وبصفه مؤقتة فتؤثر على أهليته خلالها كالنوم والإغماء .. أما النوم : فهو فتور طبيعي يعرض للإنسان في فترات دوريه - وهو يعطل العقل والحواس .. ولا أهليه للنائم لعدم إدراكه وما يصدر عنه من عبارة أو تصرف خلال النوم ولا أثر لها لعدم قصده ولا إرادته .. والإغماء : موقف طارئ يعطل حركة الإنسان قد يكون مصدره الرأس أو القلب .. وهو يشبه النوم ووجه الشبه أن كلا منهما يعطل العقل فقط ولا يزيله .. ولا أثر لعبارة المغمى عليه ولا أهلية له تمنحه صحة تصرفه لعدم قصده وعدم إدراكه لكن الإغماء يفترق عن النوم في أن الأول بسبب غير طبيعي والثاني لعارض طبيعي .
« ولاية العاقديـن »
    تكلمنا فيما مضى عن أهلية العاقدين كشرط من شروط الانعقاد في العقد وأنه لا يمكن للشخص أن يكون عاقدا أصيلا إلا إذا كان أهلا لذلك كما وضحنا لكن تثور القضية عندما يكون الشخص صاحب المصلحة غير أهل لإبرام العقد لصغره أو لتعدد مشاغله أو قلة خبرته فلابد أن يحل محله من هو أكثر خبرة منه أما لانعدام ولاية كالصغير أو باختياره كمن يوكل غيره ليقوم عنه بذلك وقد يقوم شخص تطوعا وفضولا دون طلب من أحد بإبرام عقد لآخرين يعلم بحاجتهم لهذا التعاقد فتكون في هذه الصور أمام نيابة في التعاقد وليس تعاقدا من الأصيل  بنفسه وهذا يجرنا للحديث عن صور النيابة في التعاقد كالولاية في  الحالة الأولى للصغير والوكالة والفضولي في الفروع التالية.
« الولاية وأثرها على التعاقد »
     مفهوم الولاية :
الولاية في اللغة معناها النصرة فيقال ولى الشئ أى قام عليه. وفي اصطلاح الفقهاء : هي سلطة شرعيه يتمكن بها صاحبها من إنشاء العقود والتصرفات وتنفيذها أو هي سلطة شرعيه على النفس أو المال يترتب عليها نفاذ التصرفات شرعا.
     -  أقسام الولاية :
    أولاً ـ الولاية القاصرة أو الولاية الأصلية : وهى ولاية الإنسان الذي ليست لديه أي موانع لولايته على نفسه وماله .. فالشخص الكامل الأهلية له ولاية من الشارع على جميع شئونه المالية وغير المالية - وأثر هذه الولاية على تصرفاته أنها نافذة ، وملزمة. ويسميها بعض الفقهاء بالولاية القاصرة أي التي يقتصر أثرها على صاحبها لأنه يتصرف لنفسه لا لغيره.
    ثانياً ـ الولاية غير الذاتية : وهى ولاية الشخص على غيره وهذه الولاية تسمى لدى الفقهاء بالولاية المتعدية التي تتعداه إلى غيره ويختلف مصدر التكليف بهذه الولاية حسب ما يلي :
    أ -  تكون ولاية شرعية : وهى الولاية التي يستمد التكليف بها من الشرع ابتداء من غير تكليف أو إنابة من أحد.. كما في ولاية الأب أو الجد على الصغير فهي ثابتة لهما شرعا، ولا يملكون التنازل عنها ، وتستمر حتى يزول سببها. وتسمى هذه الولاية لدى الفقهاء بالولاية الطبيعية أو الأصلية .
    ب- الولاية التي تستمد التكليف بها من الغير : كالولاية القضائية كتعيين القاضي للوصي أو القيم - وكقيام الأب أو الجد بتحديد وصى يقوم بالإشراف على الصغار الذين في ولايتهم من بعدهم وكذلك الولاية المستمدة من الاتفاق كاتفاق الإنسان مع غيره لينوب عنه في التصرف يكون وكيلا عنه فمصدر النيابة هنا أو الولاية الاتفاق فهي اتفاقية.
    - والولاية على الغير : تكون ولاية على النفس وهى التي تتعلق بنفس المولى عليه من تربية وتعليم وتنشئة صالحة وولاية على المال: وهى التي تتعلق بأموال المولى عليه من حيث إدارتها والإشراف عليها بما يحقق صالحه.
    ونتحدث أولا عن الولاية الشرعية التي قد تضم في آن واحد ولاية على النفس والمال ، ثم الولاية القضائية التي تحدد الولاية المالية على من يحتاج لذلك كالسفيه ، المجنون وذي الغفلة والمعتوه ثم عن الوكالة كنموذج للولاية الاتفاقية . ثم عن الفضالة كنموذج للخروج عن الولاية.
    - الولاية الشرعية : وهى التي تكون على الصغير ويهمنا بحكم الاهتمام بموضوع دراستنا الولاية على المال .. والصغير مشمول بها قبل بلوغه .
    من هو الولي وكيف يحدد : الولاية على الصغير تكون للأب ثم لمن يحدده الأب ويختاره ليحل محله من بعده ويسمى وصى الأب ثم من يحدده هذا الوصي ليتولى الأمر من بعده وفي حالة عدم وجود الأب ابتداء تكون الولاية للجد أبو الأب ثم لمن يختاره من بعده وفي حالة عدم وجود الأب ولا الجد تكون الولاية المالية للقاضي أي المحكمة الحسبية .
    حدود تصرفات الولي .. ولما كان الأب وفي حكمه الجد هم أكثر الناس شفقة ورحمة بالصغير فهم أحرص الناس على ماله وبعيدا عن الرقابة لذا جاز للأب أن يبيع مال الصغير لغيره ولنفسه وله أن يستثمر أمواله فهو مطلق التصرف في كل ما يراه مناسبا للصغير ولا يتصدى أحد له إلا إذا كان تصرفه ضارا بالصغير كالتبرع بماله أو إقراض أمواله.
    ما يحظر على الولي : استثنى قانون الولاية على المال رقم 119 لسنة 1952 من تصرفات الولي الشرعي ولو كان أبا:
1- أن يتصرف في عقار الصغير بالبيع لنفسه أو لزوجته أو لأحد أقاربه حتى الدرجة الرابعة إلا بإذن المحكمة.
    2- كما وضع القانون حدا للعقار المراد بيعه وهو ألا يزيد ثمنه عن مبلغ معين كحد أقصى فإن زاد عن هذا الحد وجب أذن المحكمة حتى ولو كان البيع للغير.
    والجد مثل الأب أما وصى كل من الأب أو الجد فهي مثل عقودهما إلا أنهما ليس لهما الحق في شراء أو بيع أموال لصغير القاصر لنفسهما وليس له بيع عقار الصغير إلا للضرورة خلافا للأب والجد ولا حتى بقيد استئذان المحكمة . فمحظور مطلقا على الوصي المختار فعل ذلك.
« من صور الولاية الإتفاقية للنيابة عن الغير »
    تحدثنا فيما سبق عن الولاية الشرعية ثم عن الولاية القضائية والآن نتحدث عن الولاية التي مصدرها الاتفاق والتي تعتمد على الإذن من شخص لآخر في صورة عقد يسمى عقد الوكالة لينوب هذا الوكيل عنه في التصرفات وإبرام العقود فيصبغ عليه ولاية بهذه الإنابه - وبعد أن ننتهي من هذه الصورة نتحدث عن آراء الفقهاء فيمن يتصرف عن الغير دون أذنه من باب الفضالة ونبين حكم تصرفات الفضولي .
أولاً : الوكالة
     تعريف الوكالة :
الوكالة في اللغة التفويض تقول فوضت أمري إلى الله أي وكلته إليه كما تأتى بمعنى الحفظ ومنه قوله تعالى  حسبنا الله ونعم الوكيل  واصطلاحا : تفويض الشخص غيره مقام نفسه في أمر معلوم مملوك له يقبل النيابة شرعا.
     حكمة مشروعيتها :
الوكالة من الأمور الضرورية لمواجهة اختلاف الناس في قدراتهم وخبراتهم ، فقد يكون لدى الإنسان المال ولا يستطيع الاتجار والتعامل مع الغير وقد تكون لديه الخبرة لكنه لا يجد الوقت لإدارته فيوكل غيره .
     أدلة مشروعية الوكالة :
مشروعية الوكالة قديمة فقد وردت في قصة أهل الكهف في قوله تعالى  فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ  ففيها توكيل أهل الكهف لأحدهم لشراء طعام لهم وفي قصة يوسف عليه السلام  اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ  وفيها توكيل يوسف لأخوته بالذهاب بقميصه إلى أبيه وفي ورود الوكالة في هذه الآيات في القرآن في شرائع من قبلنا إقرار لها وشرع لنا.
     ومن السنة : توكيل النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه لجمع الزكاة ، وتوكيله من يقبل عنه الزواج، وآخر لشراء شاة له . والإجماع أيضا على مشروعيتها .
    أركان الوكالة وشروطها :
    أركان الوكالة هي :
1- الموكل وهو الأصيل الذي يكلف غيره بالتصرف في ماله ،
2- لوكيل هو النائب الذي يباشر العمل بإذن الموكل في الحدود المكلف بها ، 3- محل الوكالة وموضوعها .
    شروط الموكل : أن تكون لدى الموكل القدرة على أبرام التصرف الذي يوكل غيره فيه - لأنه ليس من المتصور أن ينيب غيره في عمل ليس أهلا لأن يفعله بنفسه فمثلا لا يصح قيام الصبي المميز بتوكيل غيره في التبرع بجزء من ماله لأن التبرع تصرف ضار للصبي المميز باتفاق الفقهاء فإذا كان لا يملك التبرع بنفسه فكيف يوكل فيه غيره .
    - وفي غالب الأحيان يشترط في الموكل أن يكون بالغا عاقلا رشيدا أي كامل الأهلية ولا يستثنى من هذا الشرط إلا التوكيل لقبول التبرعات وتسلمها فيكفي لها أن يكون الموكل عاقلا فقط .
    شروط الوكيل : ذهب بعض الفقهاء إلى أنه يكفي أن يكون الوكيل عاقلا بحيث يفهم مضمون ما يكلف به من أعمال وهو ما ذهب إليه الأحناف .
    - أما الشافعية فيشترطون في الوكيل ما يشترط في الموكل وان كانوا يصححون وكالة المحجور عليه كالسفيه فأجازوا أن يكون وكيلا.
    - أما المالكية والحنابلة فإنهم وان ذهبوا إلى عدم جواز توكيل المحجور عليه إلا أن المالكية يقولون بأنه لو كانت الوكالة مقيدة بحدود وشروط فإنه يجوز توكيل المحجور عليه بهذه الضوابط التي تحفظ المال بخلاف ما لو وكل المحجور عليه بتفويض عام غير محدد فإن الوكالة تبطل لأن فيها إضاعة للمال .
    - وذهب الحنابلة إلى صحة توكيل المحجور عليه في الأمور اليسيرة المباح له أصلا فعلها.

    - شروط محل الوكالة :
    يشترط في الموضوع محل الوكالة :
1-    أن يكون معلوما للوكيل وتختلف المعلومية وفقا لنوع الوكالة خاصة فيفتقر فيها الجهل اليسير بمحل الوكالة خلافا للوكالة العامة فتصح ولو كانت بها جهالة.
2-    أن يكون محل الوكالة « ممكنا » أي في مقدور الوكيل أن يقوم به مقدرة الموكل على ذلك فليس من الممكن توكيله إياه في علاج ميت مثلا لأن هذا عمل مستحيل ليس في قدرة البشر .
3-    أن يكون محل الوكالة مما يقبل النيابة شرعا .. والتصرفات بالنسبة لقبول التوكيل فيها شرعا على ثلاثة أقسام:
‌أ)    نوع من التصرفات يقبل الوكالة والنيابة بالاتفاق وهى التصرفات التي يكون القصد فعلها بغض النظر عن شخص فاعلها كالبيع ، الشراء وسداد الديون ورد الودائع .
‌ب)    نوع لا يقبل النيابة بالاتفاق : وهى التي لابد من أدائها من شخص معين كالشهادة ، وأداء اليمين كوسيلة إثبات.
‌ج)    نوع محل خلاف بين الفقهاء : بعضهم منع التوكيل فيها وبعضهم أجازها كاستيفاء القصاص أي يحضر الوكيل تطبيق حد القصاص نيابة عن أهل القتيل : فيرى الأحناف والشافعية أن الوكالة لا تجوز إلا إذا كان الموكل حاضراً لأن هناك احتمال لإسقاط القصاص والانتقال إلى الدية أو العفو وهذا لا يمكن إلا من الأصيل صاحب الحق .. وذهب الإمام مالك .. إلى صحة الوكالة في استيفاء القصاص دون قيد .
وكالعبادات : فالأصل عدم قبولها للتوكيل كالصلاة ، الصوم أما الحج والزكاة فتصح الوكالة فيهما باعتبارهما عبادات مالية أو بدنية مالية تتم بنية .. صاحب المال .
    -  أنواع الوكالة :
    تنقسم الوكالة باعتبار حدود الأمر والتصرفات المكلف بها الوكيل الى نوعين :
    - أولاً : وكالة عامة .        
-  ثانياً : وكالة خاصة .
   
     أولاً : الوكالة العامة :
ويقصد بها أن يعطى شخص لآخر توكيلا عاماً في جميع أموره وسائر أحواله فيقول الموكل للوكيل وكلتك في كافة أموري أو في كل شئ .. فهو لم يوكله في عمل خاص أو محدد.
*  مدى مشروعية الوكالة العامة عند الفقهاء :
    اختلف الفقهاء في مدى مشروعية الوكالة العامة على النحو التالي :
1-    ذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم جواز الوكالة العامة لأنها فيها جهالة وغرر فاحش ويترتب عليها نزاع وضياع لحقوق الموكل بصفة خاصة.
2-    ذهب الأحناف إلى عدم صحة الوكالة العامة إلا في المعارضات فقط كالبيع أو الإيجار فلا تصح في التبرعات ، ولا في الطلاق مثلا .
3-    ذهب المالكية إلى القول بصحة الوكالة العامة في الضروريات التي تلزم الموكل فحتى لو قال له وكلتك في جميع أموري فلا يدخل في هذا التوكيل طلاق زوجته أو زواج أبنته أو بيع المنزل الذي يسكنه .
        ولعل الرأي الذاهب إلى منع الوكالة العامة هو الأقرب لتفادى الضرر بجعلها في غرض معين وفقا للحاجة كتوكيل عام لمحام لمباشرة الحقوق في القضايا او لمزارع لمباشرة الزراعة وهنا تضيق الوكالة العامة المحددة الغرض لتقترب من الوكالة الخاصة .
     ثانياً : الوكالة الخاصة :
وهى التي تكون خاصة بتصرف معين كبيع شئ معين أو تأجير مسكن معين أو شراء أو دفاع في خصومة معينة.
    حكم الوكالة الخاصة : وهذه الوكالة صحيحة بالاتفاق مادام محل الوكالة معلوما خاليا من أي خفاء أو جهالة تؤدى للنزاع .
    صور الوكالة الخاصة : وتتنوع الوكالة الخاصة إلى مطلقه ومقيدة لأن الوكالة الخاصة هي التي تقبل الإطلاق أو التقييد خلافا للوكالة العامة فهي مطلقة بطبيعتها.
    * الوكالة الخاصة المطلقة : وهى التي لا يقيد الموكل الوكيل فيها بشئ فيما وكله فيه. كأن يقول الموكل للوكيل وكلتك في بيع هذه الأرض فهي فعلا وكالة خاصة لكنها مطلقة عن التفاصيل من حيث تحديد الثمن وأسلوب الوفاء به حالا أو مقسطا كمن يوكل شخصا في استئجار مسكن له دون أن يحدد المكان أو المساحة أو حدود الأجره.
- فما هي حدود الوكيل في الوكالة المطلقة ؟؟
-    يرى الأمام أبو حنيفة أن الوكيل في الوكالة المطلقة لا يتقيد بشئ وذلك لأن التوكيل صدر مطلقا عن القيود والإطلاق يقتضى جواز التصرف على أي صورة ولو كان للموكل قيد خاص لصرح به للوكيل وعلى هذا فالموكل ملتزم بكل تصرفات الوكيل .
-    ويرى جانب من الفقهاء : ومنهم الإمام محمد وأبو يوسف من أصحاب الإمام أبى حنيفة النعمان أن الوكيل مقيد في الوكالة المطلقة بما تعارف عليه الناس في مثل العمل الموكل به أى المرجع للعرف ، فإن كان موكلا ببيع فلا يبيع بثمن بخس ولا بثمن مؤجل لشخص غير مأمون الذمة دون ضمان فإذا تصرف الوكيل مخالفا لما هو متعارف عليه ، فإن الموكل من حقه أن يعترض على هذا التصرف بل يكون تصرف الوكيل الزائد عن طبيعة التعامل موقوفا على إجازة الموكل ويكون مخيرا بين إمضاء العقد أو فسخه.
    والرأي الثاني : هو الراجح لأنه يتلاءم مع الثقة المفترضة بين الوكيل والموكل ، ولان ما يستقر عليه العرف في التعامل يصير كالمشروط اتفاقا بين الناس وذلك طبقا للقاعدة الشرعية أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا فمثلا لو باع الوكيل شيئا وكل ببيعه يساوى في السوق مائة فباعه بستين فإن هذا البيع لا يلزم الموكل ويحق له الاعتراض عليه.
    * الوكالة الخاصة المقيدة : وهى التي يقيد فيها الموكل الوكيل فيما وكل فيه بضوابط محددة وشروط معينة للتصرف . كأن يقول له وكلتك في بيع قطعة الأرض هذه بسعر المتر كذا لقطاع معين كالشركات مثلا واشتراط الثمن نقدا. فهل على الوكيل الالتزام بهذه القيود أم لا ؟
- حكم الوكالة المقيدة وحدود تصرف الوكيل فيها:
    ينبغي على الوكيل في هذا النوع أن يلتزم بالحدود والضوابط التي وضعها له الموكل لأن الوكيل يستمد أصول وكالته من الموكل.
    أما لو خالف الوكيل ضوابط الوكالة المقيدة فينظر إلى هذه المخالفة على النحو التالي :
‌أ)    إذا خالف الوكيل الموكل إلى أفضل مما كلفه به وحدده له كانت المخالفة نافذة ، لأن الوكيل نفذ ما كلف به وزيادة وفي ذلك خير للموكل مثال ذلك أن يكلفه الموكل ببيع سيارته بعشرة آلاف جنيه فيبيعها بأحد عشر ألف أو يقول له بع قطعة الأرض بسعر مقسط فيبيعها نقدا .
‌ب)    أما لو كانت مخالفة الوكيل فيها إضرار بالموكل فإن تصرفه يكون موقوفا على رأى الموكل إما إن يجيزه وأما أن يرفضه ذلك لأن الوكيل خرج عن دائرة الوكالة بتجاوزه عن حدودها وصار في هذا التجاوز فضوليا يتوقف نفاذ تصرفه على الموكل وهذا عند من لا يبطل تصرف الفضولي من الفقهاء كما سيرد تفصيلا .
    طبيعة عقد الوكالة :
-    عقد الوكالة من العقود غير اللازمة أي يمكن فسخها من أحد الطرفين الموكل أو الوكيل دون رجوع للآخر على عكس العقود اللازمة كالبيع مثلا لا يجوز فسخها إلا بالاتفاق بين طرفيها ولا يملك ذلك طرف واحد.
-    كما أن عقد الوكالة من عقود الأمانة بمعنى أن الوكيل لا يسأل عن سلامة ما بيده للموكل إذا تلف ولا يضمنه إلا إذا كان ذلك بتقصيره أو تعمده أما لو كان الضرر اللاحق بمال الوكالة لأمر لأيد له فيه فلا يضمنه .
-    كما أن الأصل في الوكالة إنها بلا أجر أي تبرعية من طائفة عقود التبرع ولكنها تصح بأجر إذا تراضى الأطراف على ذلك وهى السمة السائدة حديثا .
    انتهاء عقد الوكالة :
    وقد حدد الفقهاء الأحوال التي ينتهي بها عقد الوكالة من أهمها:
1-    موت الوكيل أو الموكل أو زوال أهليتهما بالجنون مثلا .
2-    انتهاء عمل الوكيل الذي وكل به .
3-    إمكانية مباشرة الموكل بنفسه العمل الذي وكل فيه الوكيل كحضوره لإبرام العقد بنفسه برغم من وجود الوكيل.
4-    تنازل الوكيل عن الاستمرار في الوكالة وذلك لأن الوكالة عقد غير لازم كما قلنا في طبيعة الوكالة .
5-    قيام الموكل بعزل الوكيل مع مراعاة ألا يترتب على هذا العزل إضرار بالغير كأن تكون هناك حقوق معلقة للغير لا زالت مرتبطة بالوكيل .
6-    هلاك موضوع الوكالة كأن وكل في شراء سيارة معينة فهلكت قبل بدء أو أثناء مهمة الوكيل فتنتهى الوكالة بذلك.

ثانياً : التصرف غير المأذون فيه
    الفضالة :
    بعد أن انتهينا من الحديث عن صورة الإنابة في التعاقد والتصرف والمتمثلة في الوكالة وهى الإذن للغير للتصرف فيما يكلف به نتحدث عن حالة التصرف عن الغير دون أن تكون هناك ولاية ولا إذن مسبق فيما يعرف بالفضالة ويسمى فاعله بالفضولي ومثاله من يقوم بالبيع أو الشراء عن شخص أو شخصين علم برغبتهما في البيع أو الشراء دون أن يكلفه أحد بذلك فهو لا يملك ولاية للتصرف بالإضافة إلى عدم تملكه لما يتصرف فيه.
    تعريف الفضالة :
هي في اللغة مشنقة من الفضل وهو الزيادة والفضولي : هو من يشتعل بما لا يعنيه . واصطلاحا الفضالة : هي تدخل الإنسان فيما لا يعنيه من شئون غيره والفضولي : هو الذي يتصرف في حق غيره دون أن تكون له ولاية شرعية - وعرفه البعض بأنه من ليس بوكيل ولا بولى.
    حكم تصرفات وعقود الفضولي :
    إذا قام شخص بإبرام عقد للغير دون إذنه ما حكم هذا العقـد ولمن تنصرف آثاره ؟ ذهب الفقهاء في حكم عقوده إلى ما يلي :
    أولا : ذهب الحنابلة والشافعية وأيدهم الظاهرية إلى القول بأن عقود الفضولي وتصرفاته تقع باطلة ولا يترتب عليها أثر ، ولا يغير من ذلك رضاء من تصرف الفضولي لصالحه عندما يعلم بذلك لأن موافقته أو أجازته تنصب وتقع على معدوم .. أدلتهم :
1-    إن تصرف الفضولي تصرف فيما لا يملك ، وتصرف الإنسان في غير ملكه غير جائز .. لنهى النبي
( صلى الله عليه وسلم ) عن ذلك بقوله لحكيم بن حزام «لا تبع ما ليس عندك» أي ما ليس مملوكا لك فيكون تصرف الفضولي باطلا فيما لا يملكه .
2-    إن من شروط التعاقد أن يكون للعاقد ولاية إصدار العقد بمقتضى ملكه للشئ أو الأذن من المالك في التصرف - والفضولي ليس مالكا لما يتصرف فيه ولا مأذونا له بالتصرف من مالكه فليس لتصرفه وجود ولا يترتب أي أثر .
    ثانياً : وهو للأحناف والمالكية ورواية للإمام أحمد وذهبوا فيه إلى أن عقد الفضولي وتصرفاته تنشأ صحيحة لكنها من حيث نفاذها موقوفة على إجازة صاحب الشأن إن أجازها نفذت وان لم يجزها بطلت.
    - دليلهم  :
1-    ما روى أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أعطى حكيم بن حزام دينارا ليشترى له شاة للأضحية فاشترى شاتين بدينار ثم باع أحداهما بدينار وجاء للنبي بشاة ودينار وقال للرسول هذه شاتكم وديناركم فقال الرسول
( صلى الله عليه وسلم ) اللهم بارك له في صفقة يمينه ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن هذا الصحابي كان موكلا بشراء شاة واحده - فكونه قام بشراء الشاه الثانية وقيامه ببيعها إنما هو من باب الفضالة - ولما أقره الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) على تصرفه عد ذلك من باب الموافقة والإجازة على تصرفات الفضولي مادام صاحب الشأن قد رضي بها.
2-    كما أنهم ذهبوا للقول بأن تصرف الفضولي قد تكون فيه مصلحة للمعقود له كما أن عقد الفضولي صدر من شخص كامل الأهلية - وهو عقد ليس فيه ضرر لأي من أطراف التعاقد لأن العقود إنما شرعت لمصالح الناس ، وقد حدد الفضولي هذه المصلحة والذي لو أنتظر حتى يستأذن المعقود له لفاتت المصلحة عليه - ولو كان هناك ضرر يلحق بمن عقد له الفضولي دون إذنه فإنه يملك عدم إجازته .
3-    أن تصرف الفضولي صادر من شخص يتمتع بأهلية التعاقد ، لأنه بالغ عاقل وهو وارد على مال متقوم شرعا فيجب القول لصحته لوجود مقتضى الصحة ، وهو صدور التصرف من شخص يتمتع بأهلية التعاقد في محل مشروع ، ولم يوجد ما يمنع الانعقاد ، وقد انتفي الضرر.
ويرجح جانب من المحدثين من الفقهاء الاتجاه الثاني : لأنه مما ساد وكثر في المعاملات بين الناس ويفضلون عندئذ صيغة العقد الذي ابرمه الفضولي ومدى قبوله للاجاه أم لا - وإمكانية تحميل الفضولي لهذا العقد في حالة رفض المعقود له للعقد من عدمه ، وشروط صحة الإجازة والوقت الذي يصبح فيه عقد الفضولي صحيحا هل من وقت الإجازة أم من وقت العقد. إلى غير ذلك من التفاصيل التي لا مجال لها هاهنا .
    ويرجح جانب آخر من الفقهاء المحدثين الرأي الأول : ونحن معهم وهو أن تصرفات الفضولي غير جائزة - فربما باع الشخص شيئا ليس عنده فيعجز عن تسليمه ويكون هذا من باب التغرير بالغير وهو لا يجوز أو يعجز عن دفع ثمن ما اشتراه - كما أن الشارع قد فتح باب الوكالة المسبوقة بإذن الموكل في صورة الوكالة العامة التي أجازها فريق من الفقهاء فيفعل ما فيه مصلحة الموكل ولو دون إذن منه أو في الوكالة الخاصة المتفق على صحتها من كافة الفقهاء والتي لو أضاف فيها الوكيل تصرفا زائدا فيه خير للوكيل كان صحيحا بمقتضى الأذن السابق للوكالة عموما وبالتالي لا مبرر لتصحيح تصرف الفضولي ما دامت هذه الأبواب مفتوحة لكن أجاز أصحاب هذا الرأي تصرف الفضولي من باب المحافظة على المال وإنقاذه من الضياع لو أن صاحبه «غائبا» أي تصرف يؤدى إلى ذلك وعندما يعود الغائب وتزول الأسباب الطارئه يعرض التصرف عليه وهو بالخيار بين الموافقة عليه أو رفضه .
    شروط صحة الإجازة لتصرفات الفضولي :
    يشترط القائلون بصحة عقد الفضولي إذا أجازه صاحب الحق ويكون التصرف موقوفا حتى تصدر هذه الإجازة .
- شروط صحة هذه الإجازة :
1-    أن يكون لتصرف الفضولي مجيز عند حدوث التصرف فإن لم يكن هناك مجيز فعلى عند صدور تصرف الفضولي لم يصح التصرف ، ولا الإجازة لو حدثت بعد ذلك كما لو كان المجيز صغير عند التصرف فأجاز بعد بلوغه فهو غير صحيح ، لأن التصرف لما صدر من الفضولي لم يكن له مجيز .
2-    أن يكون الفضولي «حيا» وقت صدور الإجازة .
3-     أن يكون المجيز موجودا بنفسه عند الإجازة - فإن مات لا تنتقل الإجازة لورثته .
4-     أن يكون محل العقد موجودا عند الإجازة - فإن هلك أو تلف فلا أثر للإجازة وتكون باطلة .
    الأثر المترتب على الإجازة لتصرف الفضولي :
    يترتب على صدور الإجازة المستوفية لشروطها لتصرف الفضولي عند من قال بها - أنها تجعله وكيلا في التصرف الذي قام به ، فكأن المجيز قد وكله في إنشاء هذا التصرف قبل أن ينشئه .
    كما أن الإجازة تجعل التصرف نافذا أي منتجا لآثاره بعد أن كان موقوفا.
    وقد تناول القانون المدني أحكام الفضالة في المواد من 188 - 197 . واعتبر القانون الفضالة بمنزلة الوكالة إذا أجاز وأقر صاحب التصرف ما قام به الفضولي - وهو في هذا يتفق مع الرأي الفقهي الذي صحح الفضالة وجعلها موقوفة على إجازة صاحب الحق .

0 commentaires:

إرسال تعليق

المحاضرات mp3

للتحميل المحاضرات على صيغة mp3
المرجو استعمال هذا الموقع
يكفي ان تضعوا رابط المحاضرة من يوتيب و تحميل المحاضرة
http://www.clipconverter.xyz/

f

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More