Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

Follow by Email

Derniers sujets

المشاركات الشائعة

الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

المحاضرة الرابعة في مصادر الفقه الإسلامي




     المحاضرة الرابعة
« في مصادر الفقه الإسلامي »
( المصادر الأصلية (المستقلة بنفسها في التشريع )
    « الكتاب والسنة »
    « القرآن الكريم »
     تعريفه :
    هو كما وصفه منزله بأنه ] ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [ فهو الكتاب ، والقرآن ، والفرقان ، والتنزيل وفى أسمائه العديدة تنبيه للمسلمين ، للعناية بتدوينه كتابة ، وبحفظه قراءة ، لأنه المفرق بين الحق والباطل المنزل من رب العالمين ، وإذا كان من الصعب على إنسان أن يعرف القرآن كما يقوم بتعريف أي مسمى فهو أكبر من كل تعريف وأعمق من أن يحويه مفهوم .. ولكن لابد من تصور تعريف يشتمل على أهم خصائصه لتمييز ألفاظه المقدسة من غيرها من كل أنواع الكلام ، فعرفه الأصوليون من بين تعريفات عديدة بأنه :
    « كلام الله تعالى المنزل على رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) باللفظ العربي ، للإعجاز ، بسورة منه ، المنقول بالتواتر ، المكتوب في المصاحف ، المبدوء بسورة الفاتحة ، المختوم بسورة الناس » .
     بعض أهم خصائص القرآن الكريم وما يتميز به:
    يستخلص من التعريف السابق للقرآن الكريم مجموعة من الخصائص التي يمتاز بها القرآن عن غيره سواء من الكتب السماوية السابقة - وكذلك الأحاديث الواردة عن النبي ( صلى الله عليه وسلم )  قدسية أو نبوية وأهم هذه الخصائص:
    1- أن القرآن الكريم نزل على محمد ( صلى الله عليه وسلم ) باللسان العربي مصداقا لقوله تعالى ] بِلسَاٍن عربي مُبُيٍن [ ومن هنا تخرج باقي الكتب السماوية عن هذه الخاصية لأنها لم تنزل باللغة العربية .
    2- أن القرآن الكريم في لفظه ومعناه من عند الله ومهمة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) تبليغه للناس كما تلقاها عن طريق الوحي ،وهذه الخاصية تميز ألفاظ القرآن عن الأحاديث الصادرة عنه عليه الصلاة والسلام قدسية كانت أم نبوية . 
    ومن هنا فلا تصح رواية القرآن بمعناه ونسبته إلى الله ، وبالتالي فان ترجمة القرآن لا تسمى قرآنا - ولا يصح الاعتماد عليها في استنباط الأحكام ولا تصح الصلاة بها للقادر على النطق باللغة العربية لأن الترجمة سواء أكانت حرفية أو بالمعنى ما هي إلا نوع من التفسير .
    وكذلك لا يعد تفسير القرآن باللغة العربية من القرآن ، لأن المعاني ولو كانت مطابقة ومرادفة إلا أنها من عمل المفسرين والعلماء وليس هذا هو نفس كلام الله عز وجل .
    3- أن القرآن الكريم قد نقل إلى البشرية منذ عهد النبي ( صلي الله علية وسلم ) إلى وقتنا الحاضر بطريق التواتر ومعنى التواتر أن يقوم جماعة بنقل النص إلى جماعة أخرى وهكذا هؤلاء يمنع العقل اتفاقهم أى اجتماعهم على الكذب أو الخطأ .
    لهذا كانت نصوص القرآن جميعها مقطوع بصحتها وكلها قطعية الثبوت بالإجماع .
     - أمثلة لبعض أوجه الإعجاز في القرآن الكريم :
    أن أوجه الإعجاز في القرآن الكريم لا يمكن حصرها لأنها غير متناهية - وبالرغم من إفراد العديد من الكتب في كافة الأزمنة منذ نزول القرآن الكريم وحتى اليوم للحديث عن جوانب الإعجاز في القرآن إلا أنها لم تستطع استيعاب كل الجوانب ، ولا تزال الكتب العلمية تطلعنا بنواحي عديدة من الأسرار والمعجزات كذلك المؤتمرات التي تبحث العديد من الجوانب ما بين إعجاز طبي وعلمي إلى غير ذلك ، من الجوانب ولنضرب نماذج لبعض دلائل الإعجاز نجملها فيما يلي :-
    أولاً : الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم :
- بلاغة القرآن وفصاحته وتناسق أحكامه ومعانيه :
    فبالرغم من نزول القرآن بلغة العرب وهو قمة البيان حيث المعجزة الرئيسية التي أراد المولى عز وجل  لها الأبدية - والعرب أصحاب فصاحة، وبيان وفطرة بلاغيه سليمة - فكان الإعجاز من جنس سلوكهم ، وبالرغم من بساطة الأسلوب ووضوح المعاني فإن المولى عز وجل تحدى المنكرين أن يأتوا بمثله ثم خفف التحدي إلى الإتيان بعشر سور ثم بسورة واحدة وعجزوا تماما رغم وجود أدوات التحدي بأيدي الخصوم من معرفة اللغة ومسالك البلاغة ودروبها وآدابها ، فظهر وضوح الإعجاز في قصر الآيات واحتوائها للتفاصيل الكثيرة - دون تناقض في المعنى بين آية وأخرى رغم كثرة الموضوعات التي تناولها وصدق المولى عز وجل إذ يقول : ] وَلَوْ كَان مِنْ عِنْدِ غَيِرْ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتَلافاً كَثِيراً [ .
    ثانياً: أخبار القرآن بحوادث ماضية من القرون البعيدة السابقة :
    فدلائل الإعجاز في هذا انه مهما بلغت عظمة كتاب في التاريخ - ومهما حوى من معلومات فلن يقدر على سرد حقائق الإنسان والأقوام منذ بدء الخليقة إلى يوم الدين - ربما نجح في سرد حقبة من الزمن دون غيرها - لكنا نجد أن القرآن قص جميع الأحداث البشرية - والتي مرت بها الشعوب وأنبيائهم وكانت أخبارا صادقة في الأخبار عن عاد وثمود وقوم لوط وقوم نوح وقوم إبراهيم ، وأخبار موسى وقومه ، وفرعون وأمره - وأخبار مريم وولادتها وولادة يحيى بن زكريا - وأخبار المسيح عليه السلام. حتى احتار أهل الكتاب أنفسهم فى دقة هذا - ومما زاد هذا الإعجاز أن يأتي تبليغه على لسان بشرٍ أُمَىّ لا يقرأ ولا يكتب حتى يستطيع استيعاب هذا القدر من الإخبار، فتكون دلالة إعجاز أخرى على صدق المبلغ محمد ( صلي الله علية وسلم ) . حتى عندما أرادوا التشكيك في هذه المقدره وهذا الصدق للنبي ( صلي الله علية وسلم ) زعموا أن الذي علَّمه هذا إنما هو بشر فيتبين أن الذي زعموه علم محمدا إنما هو فتى أعجمي لا يعرف العربية وليس لديه علم بحوادث التاريخ فرد عليهم القرآن في هذا بقوله
]  وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَهُمْ يَقُولَونَ إٍنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرُُ لِسَانُ الذي يُلْحِدُوَن إِلَيْهِ أعجمي وَهَذا لِسَانُ عربي مُبِيُنُ [.
    ثالثاً : الإخبار بما استتر في نفوس المنافقين دون أن يفصحوا عنه في الحال:
    فقد كان المنافقون يجلسون مع النبي ( صلي الله علية وسلم ) ويظهرون له غير ما يبطنون ويتناجون بالحديث في سرية أمام المسلمين وأمام الرسول على عكس بشاشتهم في وجه الرسول فيفتضح أمرهم ويظهر الله نفاقهم المستكن في صدورهم وتنزل الآية وهم جلوس مع النبي ( صلي الله علية وسلم ) لتعلن عما في صدورهم في قوله تعالى ] أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ .
    رابعاً : إخبار القرآن بالأمور المستقبلة والتنبؤ بها وحدوثها كما ذكر :-
    كذلك من دلائل الإعجاز والتحدي في هذا الكتاب العظيم المعجزة الكبرى للإسلام لمن تلقوها ويعتقدونها إلى يوم القيامة .. وليست إلى قوم في جيل دون جيل ومن أمثلة الأخبار بما لم يحدث قبل حدوثه :-
    1- وعد الله نبيه والمسلمين بعد أن خرجوا من مكة إلى المدينة بأنهم سيرجعون إليها ويدخلون المسجد الحرام وذلك في قوله تعالى :- ] لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَاَم إِنْ شَاَء اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِقيَن رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَاَفُوَن [ فتحقق وعد الله في فتح مكة .
    2- وعد الله للمؤمنين بالنصر في غزوة بدر الكبرى بقوله تعالى :
 ] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إُحْدَى الطَّاِئَفَتْيِن أَنَهَاَ لَكُمْ ، وَتَوَدُّوَن أّنَّ غَيِر ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [ وقد تحقق النصر لهم كما أخبر القرآن .
    3- وإخبار الله للمسلمين الذين كانوا يرقبون معارك الفرس والروم كأكبر قوى متصارعة في المنطقة وكان المشركون يتعاطفون مع الفرس باعتبارهم عبدة أصنام مثلهم والمؤمنون كانوا متعاطفين مع الروم باعتبارهم أهل كتاب فكان الكفار يعاندون المسلمين ويتفاخرون عليهم بأن الفرس هزموا الروم فكان الإعجاز الكبير أن يخبر الله النبي والمسلمين أن الروم سيهزمون من الفرس ولكن بعد بضع سنين أي زمن محدد لان البضع معروف لدى العرب بالعدد المعين من ثلاثة إلى تسعة - سيغلب الروم خلالها وعندها يفرح المؤمنون بنصر الله . ويتضح هذا فى قوله تعالى : ] أَلَمِ غُلِبَتِ الرُّوُم في أَدْنَى الأرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلِبَهمْ سَيَغْلِبُـونَ في بِضـْع سِنِـيَنِ للَّهِ اْلأمـْرُ مِنْ قَبـْلُ وَمِنْ بَعـْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُوَن بَنْصِر اللَّهِ [ .
    4- إخبار الله في كتابه بضرب الذلة والتشتت على أشرار اليهود في جميع الأزمان على مدار التاريخ ووصفه لهم بالجبن قولا وعملا ، ونقضهم للمواثيق وهو ما عليه أمرهم اليوم قبل وأثناء وبعد نزول القرآن وحتى اليوم كما في قوله تعالى :- ] ضُرِبْتَ عَلَيْهِمُ الَذلَةُ أَيْنَمَا ثُقِفُوا إلا بِحَبْلِ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاِس [ .
    وقوله تعالى : ] فَبِمَا نَقِضْهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ  [ .
    وقوله تعالى : ] مَلْعُوِنيَن أَيْنَمَا ثُقِفُوا أَخِذُوا وقُتِّلِوا تَقْتِيلاً[  .
    فدلالة الإعجاز في تحدث القرآن عن الأمور المستقبلية هي قمة التحدي في التدليل على الصدق وسمة الإعجاز الآلهى فيه والسهولة الممتنعة في يسر الفهم واستحالة إيجاد مثله .. فَلِمَ يُعِّرضُ القرآن بل والدين كله أمره للمخاطرة بالتحدث عن أمر لم يحدثِّ وَيَعِدُ بَحَتْمِيَّة التحقق له - وفى فترات زمنية محددة ويتحقق وعد الله فهل يستطيع بشر أن يتنبأ على سبيل الجزم بأمر يحتمل الوقوع وعدمه كالنصر والهزيمـة مثـلا وهـى أمـور ليسـت بيد أكبر القواد القول بها - تلك قمة الإعجاز !!.
    خامساً: أعجاز القرآن في اشتماله على أسرار الكون والحقائق العلمية :
    فكل يوم تكتشف فيه حقيقة علمية ويهلل مكتشفوها إلا ويفاجئوا بحكاية القرآن لها وتعود إلى قاعدة قرآنية مجملة أو مفصلة في هذا الأمر منذ عشرات القرون بل لازال القرآن يحوى العديد من الحقائق العلمية والأسرار التي لم يتوصل إليها أحد بعد - ويعتقد من يكشف غطاءها يوما أنه صاحب أمرها ولنضرب نماذج على سبيل المثال لا الحصر في هذا المقام :-
    1- فقد أخبر القرآن أن السموات والأرض كانتا شيئا واحدا ، ثم انفصلت الأرض عن السماء وقد أثبتت البحوث العلمية ذلك وهى نظرية انشطار الكواكب بعد اتحادها - في كوكب واحد يقول تعالى على سبيل  تبكيت الكفار لعدم تدبرهم قوة الإعجاز الآلهى ] أَوَ لَمْ َيَر الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَواتِ واْلأرَضَ كَانتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا [ أي شيئا واحدا ففصلناهما .
    2- أخبر القرآن عن مراحل تكوين الإنسان في بطن أمه كما في قوله تعالى ] وَلَقْد خَلَقْنَا اْلإنْسَانَ مِنْ سُلاَلةٍ مِنْ طِينٍ ، ثُمَّ جَعَلَنْاَهُ نُطْفَةً فِى قَرَار مَكٍين ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ، فَخَلَقْنَا الْعَلَقَة مُضْغَةً ، فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةً عِظَاماً فَكَسَوْنَا الِعْظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [.
    وهذه الأطوار لم يزل بعد العلم الحديث يوالى تفسيراتها والإعجاب بها.
    3- إرشاد القرآن منذ خمسة عشر قرنا إلى اختلاف بصمات أصابع الناس - فيقول في كتابه الكريم بصيغة الاستفهام الذي ينكر على من يستعظم البعث ويستصعبه « أَيَحْسَبُ اْلإنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَاَمُه بَلَى قَادِريِنَ عَلى أَنْ نُسَوِّىَ بَنَانَهُ » بما بلغت الأنظار إلى حكمة المولى في خلق بنان الإنسان بصورة مختلفة من إنسان لإنسان - وهو ما أثبته العلم حديثا وساعد المجتمعات على كشف الأشخاص والتمايز بينهم بهذه الوسيلة.
    4- إلى غير ذلك من الآيات الأعجازية المستمرة الكشف والإيضاح كالآيات الدالة على آيات الكون الفضائي كما في قوله تعالى : ] سَنُريِهمْ آَياتِنا في الآفَاِقَ وفِى أَنْفسُهِمْ حَتَى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنُّه الْحَقُّ أَوَ لَمْ يَكَفِ بِرَبكَ أَنَّه عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهَيدٍ [ ثم ما تحدث عنه القرآن من حقيقة انخفاض الضغط الجوى كلما ارتفعنا عن سطح الأرض وبالتالي يضيق التنفس في هذه الحالة جاء النص القرآني مشبها الإنسان الضال والمراد به عديم الهداية بأنه في حالة ضيق وتوتر في صدره كمن صعد إلى السماء فضاق صدره وصعب تنفسه  ] فَمَن يَرِدِ اللَّهُ أَنْ يهديه يَشْرح صَدْرَهُ لِلإسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلُّه يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيقا حَرَجاً كَأَنَمَا يَصَّعَدُ في السَّمَاءِ [ .
    كذلك الآية الشاملة لكل عمليات حركة الجسم الاعجازية التي يشملها قوله تعالى : ] وَفِى أَنْفُسِكُم أَفَلا تُبْصُرُونَ [ .
    ثم وصف القرآن لكروية الأرض قبل اكتشاف ماجلان وغيره بمئات السنين في قوله تعالى : ] وَالأْرَض بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [ .
    وليس معنى شمول القرآن لكل هذه الحقائق العلمية أنه كتاب علمي فإن الحكمة من معرفة آيات الأعجاز في هذا المقام من الدراسة إنما هو بيان درجة ومقام هذا المصدر كأصل لجميع المصادر وأساس لها وكما وضعه العلماء بأنه أب المصادر وجوهرها - فكان لابد من الإشارة لبعض مزاياه.
    بيان القرآن للأحكام وطريقته في ذلك :
    إذا كان القرآن الكريم لم يفرط في شيء لم يتحدث عنه ، وجاء لبيان كل شيء مصداقا لقوله تعالى :
 ] مَاَ فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِنْ شَىْءِ [ وقوله تعالى : ] وَنَزَّلنْاَ عَلَيْكَ الْكَتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَىْءِ [ إلا أن القرآن الكريم باعتباره المعجزة الدائمة وغير المؤقتة بزمن أو بقوم - كان له نهج متميز يضمن للأحكام الاستمرارية والخلود ، فيكون لها المرجع عند الاحتياج لأي حكم ، فنجد القرآن في بعض الأحكام قد فصلها تفصيلا - والبعض الآخر أجمله فأحكام العقيدة جاءت كثيرة وتفصيلية لخطر هذا النوع من الأحكام . أما بالنسبة للأحكام المتعلقة بالعبادات أو المعاملات فجاءت مجملة . واقتصر القرآن فيها على تقرير الأحكام العامة - حتى تواكب كل جديد وتساير كل زمان ومكان لأنه لو اختصت بزمان أو بمكان لكانت جزئية واقتصرت عليه دون غيره .
    ولكن هذا لا يمنع أن هناك بعض أحكام لها سمة خاصة تدخل فى مجال العبادات والمعاملات تعرضت لها نصوص القرآن بالتفصيل لأنها تحقق مصالح الناس في كل مكان وزمان وتحسم الخلاف بين الناس لحساسية الموضوعات التي تعالجها مثل أحكام الميراث ، أحكم النساء من زواج وفرق شرعية ، والمحرمات منهن .
    - دلالة القرآن على الأحكام :
    إذا كان القرآن قد وصل إلينا بطريق التواتر فقلنا انه من حيث ثبوت نصوصه قطعي الثبوت أي ليس هناك نص من نصوصه لم يثبت بطريق التواتر بدليل أنه لا يوجد نص يختلف في أحرفه أو شكله في مصحف عن الآخر ، أما من حيث دلالته على الأحكام بمعنى إفادة نصوصه والاستدلال بها على الحكم فهذه الدلالة تتحدد وفقا للمعنى الذي يعطيه النص . فتكون دلالة الكتاب على الحكم دلالة قطعية. إذا كان لفظ النص لا يدل إلا على معنى واحد كانت دلالة هذا اللفظ على الحكم دلالة قطعية وتكون دلالة اللفظ حينئذ متفق على معناها ولا تعطى معنى آخر كالنصف فى قوله « ولكم نصف » كما سبق ذكره .
    أما إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى ويعطى أكثر من احتمال لمعناه - فان دلالته عندئذ تكون ظنية كلفظ « قرء » في قوله « ثلاثة قروء » يحتمل معنى الطهر والحيض وعلى هذا فان نصوص القرآن من حيث ثبوتها أي التأكد من سلامة وصولها كألفاظ جميعها قطعية الثبوت . ومن ناحية المعنى ودلالتها على الحكم منها ما هو قطعي الدلالة ومهنا ما هو ظني الدلالة فتكون الآية قطعية الثبوت والدلالة أو قطعية الثبوت ظنية الدلالة .

« السُّـنـــَّـــة »
     مفهومها :
    تعرف السنة في اللغة بأنها : الطريقة المعتادة سواء أكانت حسنة أم سيئة .. كما قد تطلق في مقابلة البدعة - ففي مواجهتها كلمة السنة بمعنى الشيء المشروع عموما.
    أما معنى السنة عند الأصوليين فهي : اسم لما صدر عن النبي ( صلي الله علية وسلم ) من قول أو فعل أو تقرير .
     -  أنواع السنة باعتبار ذاتها :
    ومن التعريف الاصطلاحي للسنة لدى الأصوليين نجد أنها أنواع ثلاثة:
(1) السنة القولبة :
    وهى الأحاديث التي تلفظ بها النبي ( صلي الله علية وسلم ) في المواقف المختلفة ومثالها قوله ( صلي الله علية وسلم ) « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى » وقوله : « من ذكب على متعمدا فليتبوأ مقعده في النار » وقوله : « لا ضرر ولا ضرار » إلى غير ذلك من الأحاديث .

(2) السنة الفعلية أو العملية :
    وهى ما صدر عن النبي ( صلي الله علية وسلم ) من أفعال بقصد التشريع .. مثل وضوئه عليه الصلاة والسلام ، وحجه - ويخرج من السنة الفعلية ما يصدر منه ( صلي الله علية وسلم ) لا بقصد التشريع كالأفعال التي تصدر منه بصفته بشرا كالأكل والشرب والنوم ، والمشي فهي لا تدخل في باب التشريع وليست جزءا من الرسالة المكلف بتبليغها - كذلك ما اعتمد على خبرته الشخصية في المسائل ، الدنيوية فهي أيضا لا تعد تشريعا كتوجيهه في نواحي الزراعة والتجارة مثلا كذلك التكليفات الخاصة به وحده كالتهجد مثلا ، وكالوصال في الصوم ، والزواج بأكثر من أربعة فهذه أمور خاصة به ، أما ما عدا ذلك فهو مصدر تشريعي يجب إتباعه والاستناد إليه كدليل شرعي .
(3) السنة التقريرية :
    وهى أن يصدر عن بعض الصحابة قول أو فعل فيسكت النبي ( صلي الله علية وسلم ) عن إنكاره . فيعد سكوته هذا دليل على مشروعية قول أو فعل الصحابي لأنه لو كان غير ذلك لا نكره لأنه مكلف بذلك . وقد يصاحب سكوته ما يدل على الاستحسان وقد لا يصاحبه. مثل قوله لمعاذ بعد سؤاله إياه عن كيفية تصرفه عند سؤاله من الناس ولم ينكر عليه والحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى الله فيعد هذا استحسانا ، وكذا إقراره لبعض الصحابة الذي أكلوا الضب ولم ينكر ذلك ولم يؤيده بالقول ويعد الإقرار المصحوب بالرضا والاستحسان أبلغ وأقوى في دلالته من غيره .
     - أقسام السنة من حيث قوة السند :
    هذا التقسيم باعتبار رواية الأحاديث وكيفية وطرق وصولها إلينا وهى تنقسم إلى :-
    1- تنقسم السنة بحسب روايتها إلى سنة متواترة ، وسنة آحاد وزاد الأحناف على هذا التقسيم من حيث الرواية السنة المشهورة :
 أ - السنة المتواترة :
    هي التي نقلت عن الرسول ( صلي الله علية وسلم ) نقلا متواترا أي نقلها جمع من الصحابة ثم نقلها عنهم جمع مثله وهكذا حتى وصلت إلينا وهم جميعا ممن يستحيل اتفاقهم على الكذب .
    أو بمعنى آخر هي السنة التي نقلت بالتواتر في العصور الثلاثة - عصر النبي ثم عصر الصحابة ثم عصر التابعين من جمع وهو أكثر من ثلاثة في جميع العصور دون تغير العدد أو المضمون  .
    ومعظم السنة الفعلية أو العملية التي هي أفعال النبي ( صلي الله علية وسلم ) وأعماله تدخل في إطار السنة المتواترة ومن أمثلتها قوله ( صلي الله علية وسلم ) « صلوا كما رأيتمونى أصلى » حيث نقل تصرفه كل حركات وسكنات الصلاة - وبيانه لمقادير الزكاة ، ومناسك الحج كذلك من الأحاديث اللفظية المتواترة كقوله ( صلي الله علية وسلم ) « من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ».
ب- السنة المشهورة :
    هي التي نقلت عن الرسول ( صلي الله علية وسلم ) على يد عدد أقل من الجمع المتواتر ثم رويت بعد ذلك من عدد كبير متواتر في المراحل التالية حتى وصل إلينا فقد روى غير متواتر في مرحلة ثم تحول إلى متواتر ومن أمثلته : قوله ( صلي الله علية وسلم ) « إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى » فقد تحقق التواتر في الحديث المشهور في عصرين من الثلاثة .
جـ- سنة الآحاد :
    وتسمى بخبر الآحاد - وهى التي رويت من عدد لم يبلغ حد التواتر بل رويت عن واحد أو اثنان وهكذا حتى وصلت إلينا أو تحقق التواتر فيها في مرحلة واحدة ومعظم السنن القولبة أي اللفظية من هذا النوع .. وقد فصل أئمة المذاهب الفقهية موقفهم من هذا النوع من الأحاديث لكثرة الاعتماد عليه كدليل تستقى منه الأحكام الشرعية فمنهم من عمل به مطلقا وقدمه على غيره من المصادر بعد الكتاب والمتواتر دون شروط. ومنهم من قدمه لكن اشترط للعمل به شروطا محددة - حتى يتم تقديمه عليه ومنهم من قدم عليه غيره كإجماع أهل المدينة .. بما يترتب عليه تعدد الرأي لاختلاف قوة الدليل .
    وهناك تقسيمات أخرى للأحاديث من حيث اتصال السند وهى تقسيم الحديث إلى مرسل وغيره لكن مجال تفصيل هذه التقسيمات تخدمها مجالات أخرى من الدراسة لمن أراد المزيد. نخلص من هذا التقسيم إذا أردنا أن نحدد درجة ثبوت السنة أي وصولها إلينا من حيث نصها :-
    1- أن الأحاديث المتواترة قطعية الثبوت عند اتحاد لفظها في جميع الروايات وان كانت هذه النوعية من القلة العددية بحال - وهذا من باب رحمة الله بالمسلمين حتى ينشغل الناس بتقديس ألفاظ الكتاب الكريم - ثم فهم معاني السنة دون التعبد بألفاظها من ناحية كما أن اختلاف الألفاظ والروايات يؤدى إلى تعدد الآراء والمعاني ، مما ييسر ويوسع دائرة الأحكام لحل قضايا المسلمين .
    2- ما عدا الأحاديث المتواترة في لفظها تكون السنة ظنية الثبوت أي غير مقطوع ، باتحاد ألفاظها لاختلاف الروايات - على العكس من القرآن الكريم الذي قلنا بأنه في جميع نصوصه قطعي الثبوت دون خلاف .
- حجية السنة ودلالتها على الأحكام الشرعية :
    السنة النبوية الشريفة مصدر مكمل للقرآن الكريم فى بيان الأحكام الشرعية وتعاونه فى ذلك - وتعتبر هى والكتاب الكريم نوعين من الاستدلال ذا أصل واحد وهو كونهمـا نصوصـا أساسهـا الوحي - يقـوم التعـاون الكامل
بينهما في ذلك. لهذا وكما يؤكد العلماء أنه لا ينبغي بحال عند الاستنباط من القرآن الاقتصار عليه دون النظر في شرحه وبيانه وهو السنة النبوية - لأن ألفاظ القرآن إذا وردت مجملة فلا غنى عن النظر في بيانها من السنة .
    - كذلك فان السنة تكون أصلا منفردا قائما بذاته ، والدلائل والنصوص التي تؤكد ذلك كثيرة - ... ومؤكدة لهذا منها  قوله تعالى : ] وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهَ وَمَا نَهاكُمْ عَنْهَ فَاْنَتهُوا [ .
وقوله تعالى : ] مَنْ يُطعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاَع اللَّهَ [ .
وقوله تعالى : ] فَلا وَرَّبكِ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكمُوكَ فِيَما شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا فِى أَنْفُسِهم حَرَجَاً مَّمَا قَضَيْتَ
                   وَيُسَلِّمُواَ تَسْليمِاً [
وقوله تعالى : ] أُطِيعُوا اللَّهَ وَأِطيعُوا الرَّسُولَ وَأولِى اْلأمْرِ مِنْكُمِ [ .
وقوله تعالى : ] وَمَا كَانَ لمُؤْمِنَ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لهُمُ الْخيَرةُ مُن أمْرِهِمْ  [ .
    فهذه النصوص وغيرها آمرة وقاطعة بأن ما جاء من عند الله إنما هو من عند رسول الله ، لأنها وحى يوحى .
     - دلالة السنة على الأحكام الشرعية :
    دلالة السنة دلالة قطعية أيضا إذا كان لفظها لا يحتمل إلا معنى واحـد... فتكون السنة حينئذ قطعية الدلالة في إفادة الحكم الشرعي وإذا احتمل اللفظ أكثر من معنى فان دلالتها على الحكم تكون ظنية . فيمكن أن يكون الحديث قطعي الثبوت وقطعي الدلالة كما إذا كان متواترا مجمع على روايته ومعانيه لا تحتمل غير معنى واحد كقوله ( صلي الله علية وسلم ) « بنى الإسلام على خمس » وقد يكون ظني الثبوت وظني الدلالة أو ظني الثبوت قطعي الدلالة كما في أنواع الأحاديث الآحاد . وعليه فان بعض الأحاديث تصل في قوة الاحتجاج بها إلى قوة الاحتجاج بالقرآن كالمتواتر ثم تتراوح قوة الاحتجاج حسب قوة السند - والدلالة على الحكم في باقي أنواع الأحاديث ووفق الشروط التي اعتبرها الفقهاء للاستنباط منها كما سبق تفصيله .
     - دور السنة مع القرآن (علاقة ومنزلة ومقام ومكانة السنة من القرآن) :
    يقصد بدور السنة مع القرآن العلاقة المتبادلة بين هذين النوعين من النصوص حيث لا غضاضة في التعامل فهما فرعى الوحي الكريمين والدور الرئيسي للسنة بجوار الكتاب هو البيان والتبيين مصداقا قوله تعالى
« ونزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم » ثم تأتى الأدوار الأخرى وهى تأكيد ما جاء بالقرآن ثم تأتى في القليل من أدوارها لتنشى أحكاما جديدة غير منصوص عليها في القرآن ونستعرض هذه الأدوار بشيء من التفصيل يناسب المقام .
    أولاً: بيان السنة لأحكام القرآن : ويأخذ البيان الأشكال الآتية:
‌أ)    بيان المجمل :
    فتبيـن السنـة ما جـاء مجمـلا من أحكـام القرآن الكريـم مثل الصـلاة- الزكاة- الحج حيث بينت السنة الأحكام المجملة بصدد هذه الفرائض .. وقامت بتفصيله .
‌ب)    تخصيص العام :
    وهو أن تقوم السنة بتخصيص الأحكام العامة التي جاءت في القرآن الكريم . ومن أمثلة ذلك ما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى : ] يُوصِيكُمَ اللَّهُ فِى أَوْلادِكْمِ للذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ اْلأنْثَيَيْنِ [ .
    فالآية تركت الوارث عاما أى وارث يأخذ هذا النصيب فجاءت السنة وخصصت هذا العام فخصصت الوارث بأنه غير القاتل فانه لا يأخذ هذا النصيب مصداقا لقوله  « لا يرث القاتل » فخصص عموم الآية بالحديث .
‌ج)    السنة تقيد المطلق من أحكام القرآن :
    وتقوم السنة هنا بوضع قيود على إطلاق تطبيق الحكم بالنسبة لشكله وشرطه مثلا ففي قوله تعالى :
 ] وَالسَّاِرقُ وِالسَّاِرقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْديَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عِزَيُزُ حَكِيُمُ [ فالآية أطلقت اليد المحكوم بقطعها دون تحديد ما إذا كانت اليمنى أم اليسرى مثلا.. ومن أي منطقة تقطع فجاءت السنة لتقيد هذا الإطلاق وتجعل القطع لليد اليمنى من منطقة الرسغ .
    ثانيا: السنة مؤكدة لما جاء في القرآن الكريم:
    وهو أن تقوم السنة بتأكيد ما جاء في القرآن الكريم وفى هذا المقام يتسـع دور السنـة مع القـرآن في نمـاذج كثيـرة ومتعـددة فجميـع قواعـد الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر في آيات القرآن أكدتها السنة .
    ثالثا : دور السنة في إنشاء أحكام جديدة لم يرد ذكرها في القرآن:
وهذا الدور محدود ويمثل نسبة يسيرة من الأحاديث النبوية . وذلك كنهى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) عن لبس الحرير للرجال واستعمالهم للذهب وتحريم أكل سباع الحيوان ، وكذلك تفاصيل الديات في جرائم القتل .
    لكن مع التعمق نجد أن هذه الأحاديث لها مرد في آيات القرآن ، فترجعها إلى الأصل الكلى في القرآن الذي يوجب طاعة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) وتنفيذ أوامره في قوله تعالى : ] وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ ومسألة الدية من قوله تعالى .. ] فدية مسلمة إلى أهله [ وتحريم لحم السباع إلى قوله تعالى :
] وَيُحِلُّ لَهُمُ الَّطِّيباَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيِهْمُ الْخَبَائِثَ [ ومن هنا فلن نجد نصا في السنة إلا ونجد له أصلا في القرآن الكريم بما يوضح مدى التعاون الكامل بين المصدرين الرئيسيين طرفي الوحي السماوي .

المصادر التبعية
« المستندة إلى غيرها في التشريع »
    « الإجماع » :
     تعريفه :
    يعرف الإجماع في اللغة بالعزم فيقال أجمع فلان على فعل كذا أي عزم عليه ويأتي بمعنى الاتفاق وورد بهذا المعنى في قوله تعالى : ] فَأَجْمَعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ أَئْتُواَ صفاً [ .
    وفى اصطلاح الأصوليين : هو اتفاق المجتهدين من علماء المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على حكم شرعي .
     - عناصر الإجماع الأصولي :
    ينبغي لتحقق الإجماع كما يستفاد من التعريف السابق ما يلي :
1-    أن يكون الاتفاق من مجتهدي الأمة ليخرج غيرهم من المقلدين أو العوام فيلزم وجود بعض المجتهدين في العصر حتى يتحقق الإجماع فيه .
2-     يلزم الاتفاق من عموم المجتهدين جميعهم فلا يكفى من بعضهم لأنه ربما كان الحق معهم .
3-    أن يكون الاتفاق والإجماع بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) لأن الاتفاق على أمر في حياة النبي وإقراره ( صلى الله عليه وسلم ) يعد سنة تقريرية .
4-    أن يكون محل الإجماع حكما شرعيا يصلح للاجتهاد فالإجماع على غيره لا يعتبر إجماعا أصوليا .
     - أنواع الإجماع :
    فرع الأصوليون الإجماع إلى نوعين :-
1- إجماع صريح بالقول .
2- إجماع سكوتي .
    فالإجماع القولى : أن يتم الاتفاق بين المجتهدين على حكم بطريق القول.
     - كيفية حدوثه :
    أ - أن يستنبط جماعة من المجتهدين كل منهم على حدة
 حكما لحادثة وهكذا حتى يتحقق الإجماع بينهم في زمن وقوع هذه الحادثة .
    ب- أو اتفاق المجتهدين بسبب تصادف اجتماعهم في مكان واحد في الحكم على مسألة احتاجت لبيان حكم الشرع فيها .
    أما الإجماع السكوتى : وحقيقته أن تعرض حادثة ما في عصر على بعض المجتهدين فيعطون رأيهم في المسألة - ثم يسمع باقي المجتهدين في نفس العصر على هذا الحكم فيصمتون ولا يعطون ما يدل على الموافقة أو المخالفة بشرط أن تمضى مدة تعطيهم فرصة كافية لفهم الحكم الأول واستيعابه.
     - حجية الإجماع :
    والإجماع من المصادر الشرعية التي يجب العمل بها ولا يجوز نقضه بعد ثبوته في زمن سابق ، وما معارضة الإجماع من البعض إلا لتصور المعارضين انه لا يمكن وقوع الإجماع بعد عصر الصحابة . فالإجماع في عصرهم لا خلاف حول حجيته ، إنما الخلاف حول الإجماع في العصور التالية لعصر الصحابة لكن الراجح أنه يمكن تحقق الإجماع وبخاصة في هذا العصر بعد تقدم وسائل الاتصال الحديثة- وسهولة إطلاع العلماء على ما يدور في أي بقعة من العالم .
     - الأدلة التي يستند إليها قيام الإجماع كمصدر من المصادر الشرعية :
    أساس حجية الإجماع من الكتاب قوله تعالى : ] وَمَنْ يُشَاققِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الُهُدَى وَيَتَّبعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنيِن نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصَلِهِ جَهَنْمَ وَسَاءتْ مَصِيراً [ وسبيل المؤمنين هو طريق اتفاقهم ، كذا قوله تعالى :
« أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم » والمقصود بأولى الأمر العلماء والمجتهدون - كذا قوله
 ( صلى الله عليه وسلم ) « لا تجتمع أمتي على ضلالة ».
« القيــــــاس »
     تعريفه :
    القياس في اللغة : هو تقدير الشيء بواسطة شيء آخر فيقال قاس فلان الثوب قدر كَمَّهُ بالمتر مثلا - كما يطلق القياس على التسوية والمقارنة فيقال فلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه في مجال المقارنة بينهما .
    وفى اصطلاح الأصوليين : مساواة أمر لأمر آخر في الحكم الثابت له لاشتراكهما في علة الحكم . فالمجتهد يلحق هذا الأمر بالآخر في الحكم لاشتراكهما في العلة. فأساسيات القياس وجود حادثه لها حكم شرعي فيه نص - وحادثة أخرى تشبه الحادثة الأولى ليس فيها نص لا فى كتاب أو سنة أو إجماع - فيتم إلحاق الحادثة الأولى بالثانية مادامت علة الحكم فيهما واحدة.
     - عناصر القياس :
    للقياس أركان لابد من تواجدها لتكتمل صورته :
    1- الأصل : وهو الواقعة التي لها نص تعتمد عليه في حكمها الشرعي وتسمى بالمقيس عليه .
    2- حكم الأصل : الحكم الشرعي المحكوم به على الأصل .
    3- الفرع : الواقعة التي لم يرد فيها نص يستمد منه حكمها الشرعي.
    4- العلة : وهى السمة المشتركة التي تربط الأصل بالفرع .
    ومثال : قياس المسكرات غير الخمر التي لم يرد في تحريمها نص كالكوكايين مثلا على الخمر الوارد في تحريمها نص وهو قوله تعالى :
    « إنما الخمر والميسر والأنصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه » وذلك لاشتراكها في العلة وهى الاسكار فقد قاس الفقهاء الكوكايين والهيروين مثلاً على الخمر بنقل حكمه وهو التحريم الثابت بنص الآية وذلك لاشتراكهما فى علة الاسكار .
     - حجية القياس :
    القياس مصدر من مصادر التشريع وحجة شرعيه ودليل العمل بالقياس قوله تعالى : ] أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقَرآَنِ وَلَوْ كَانِ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيه اخْتَلافاً كٍثيراً ، وَإِذَا جَاَءهُمْ أَمُرُ مِنَ اْلأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْرَدُّوهُ إِلَى اَلَرْسُولِ وِإلى أُولِى اْلأَمِرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنَبْطُوَنُه مِنْهُمْ [ .
    فيستفاد من هذا النص ضرورة التدبر وترك التقليد ، وضرورة استخراج الحكم الشرعي من النصوص بعرض الحادثة عليها لاستخراج الحكم منها وهذا بواسطة المستنبطين والمجتهدين ونحن في هذا العصر الذي تتلاحقه الأحداث في أمس الحاجة إلى استخدام القياس والاستناد إليه لنسبة الأحكام الشرعية للوقائع الكثيرة .
« قـول الصحابي »
    الصحابة رضوان الله عليهم شاهدوا النبي ( صلي الله عليه وسلم ) وتلقوا عنه حيث هم أقرب إليه وشهدوا مواضع التنزيل ، فإدراكهم لها يكون أكثر من أدراك غيرهم ومن هنا كان الأئمة الأربعة يأخذون بأقوال الصحابة - بل ويقدمونها على القياس إذا اجتمعت شروطها .
    1- فالصحابة إذا اتفقت أقوالهم في مسألة فان حكمهم يعد إجماعا ولا يجوز مخالفته ويقدم كإجماع على القياس عند كل المذاهب .
    2- وعند اختلاف الصحابة وعدم اتفاقهم على حكم المسألة فانه يرجح بين هذه الأقوال تبعا لاقترابها من الكتاب والسنة .
    هذا عندما يكون القول قول الصحابة سواء عند اتفاقهم أو اختلافهم أما عندما يكون قول الصحابي بمفرده فإما أن يكون:-
    1- قول الصحابي مشهورا ولم يعترض عليه أحد فيكون حجة يجب إتباعها .
    2- أما لو كان قول الصحابي غير مشهور فقد اختلف في حجيته لكن الأئمة كانوا يسترشدون بهذا القول متى انعدم النص ، وكان في أمر من الأمور إلى لا يقال فيها بالرأي - وكون الصحابي معروفا بالعلم والفقه وممن سبقوا إلى الإسلام.
« المصلحة المرسلة »
     المصلحة معناها : ما يعود بالخير والمنفعة .
     والمرسلة : أي المطلقة والمجردة .
ومعناها شرعا : المصلحة الملائمة لمقصود الشرع ولا يوجد نص بخصوصها .
        فالأخذ بالمصلحة كمصدر لابد أن يكون فيه خير للعباد ويتناسب مع مقاصد الشرع التي تهدف إلى تحقيق المصالح ودرء المفاسد .
     أنواعها : والمصالح أما أن تكون معتبرة أي عدها الشارع ورعاها ونص عليها كالحفاظ على النفس وأما أن تكون ملغاة - تهدف إلى النهى عنها وضرورة تركها لمنافاتها للشرع ومقاصده كمنع بناء ملهى .
        أما المرسلة فهي المطلقة عن الأمر بفعلها أو إلغائها إلا أنها تتفق مع مقاصد الشرع وأهدافه العامة . كجمع القرآن ، وقضاء عمر بقتل الجماعة بالواحد وقد اشترط العلماء ضرورة استهداف المصلحة حتى تعتبر وتصلح كمصدر وأصل. أن تكون ضمن ما يهدف الشارع إلى تحقيقه للناس عامة. في إطار ما يهدف إليه من حفظ الدين ، النفس والمال ، والعرض ، والعقل. وهو ما يسمى بالكليات الخمس. فإذا لم تهدف إلى هذا كانت المصلحة ملغاة ومهدرة.
        فإذا اعتقد بعض الناس أن في الفائدة الربوية مصلحة تستهدف حفظ المال فانه يكون قد عارض النص الذي يلغى هذه المصلحة الموهومة الفاسدة وهو تحريم الربا بالنص بقوله تعالى :
    ] يَا أَيُّهَا الَّذِيَن آَمَنُوا اِتَقُوا اللَّهَ وَذُروا مَا بِقَى مِنَ الرِّباَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمنيِنَ[ .
« الاستحسان »
     تعريفه : يستحسن الشيء أي عده واعتبره حسنا .
    وعند علماء الأصول : عرفه البعض بأنه العمل بأقوى الدليلين .
    وعرفه آخرون بأنه  : العدول بالمسألة عن حكم نظائرها إلى حكم آخر لوجه أقوى يقتضى هذا العدول .
        وتصور الاستحسان أن مجتهدا لا يجد للمسألة المعروضة عليه نص - لكنه يجد لها شبها واضحا بمسألة أخرى لها حكم شرعي ، ويجد لها أيضا شبه أبعد بمسألة أخرى يختلف عن الحكم الذي وجده في المسألة المشابهة الأولى .. فيستحسن المجتهد حكم المسألة الأبعد شبها لاعتبار أيده دليل في نظره - فيسمى هذا استحسانا ويسمى الحكم حكما مستحسنا لأنه ثبت على خلاف القياس المعروف .
        ومن صوره أيضاً استثناء أمر من قاعدة عامة حكم على جميع أفرادها ويخص هذا الاستثناء بحكم مخالف لباقي أفراد القاعدة لدليل يرجح ذلك .
        مثل استثناء السَّلّمِ وإجازته مع أنه فرد من أفراد القاعدة العامة وهى عدم جواز بيع الشيء المعدوم - والسلم بيع للمعدوم لكنه أجيز استحسانا لإجازة الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) .

     حجيته :
        ليس هناك خلاف حقيقي بين الفقهاء حول حجيته ، وليس هناك اختلاف حقيقي بين الفقهاء حوله فهم جميعا قد استعملوه ، ويعتدون به فى استنباط الأحكام - لأنه دليل يعتمد على غيره وما هو إلا استخدام للقياس والأدلة النصية.
« سد الذرائع »
     مفهومها :  الذرائع جمع ذريعة - وهى الوسيلة .
     والذريعـة : ما كان طريقا لأمر حراماً كان أو حلالاً . وسد : أي إغلاق.
     واصطلاحا : سد الأبواب التي تؤدى إلى المحرمات والمفاسد ويعد هذا المصدر من القواعد الهامة فى الفقه ولها العديد من التطبيقات ، وقد توسع فيها بخاصة المالكية وان اعتبرتها جميع المذاهب من الناحية العملية.
    الدليل الذي يستند إليه تطبيق هذه القاعدة :
        فقد ثبت الأخذ بهذا المصدر بالكتاب والسنة ، كما في نهى الكتاب عن سب الأوثان بقوله تعالى :
] وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِيَن كَفَرُوا فَيَسبُّوا اللَّه عّدْواً بِغَيرِ عِلْمٍ [ فقد حرم الله على المؤمنين أن يسبوا آلهة المشركين حتى لا يكون ذلك ذريعة لديهم لسب الله العلى العظيم .
        كذلك نهى النبي الدائن أن يأخذ من مدينه هدية لئلا يؤدى ذلك إلى ذريعة الربا وهى الزيادة .
        تحريم الخلوة بالمرآة الأجنبية وتحريم التبرج لأن ذلك يؤدى إلى المفسدة وسدا لذريعة الرذائل والزنا. فالذريعة وسدها أصل من الأصول الشرعية المستندة إلى النصوص .
« الاستصحاب »
     مفهومه : انه استمرار الصحبة - أو المصاحبة .
        وعند الأصوليين : بقاء الأمر على ما هو عليه ما لم يوجد ما يغيره. فما مضى مستقر على ما هو عليه حتى يقوم دليل على تغيير حكمه.
        فالاستصحاب مصدر تبعى .. حيث هو في واقعه مستند أما للدليل السابق الذي سار عليه أو إلى الدليل الجديد الذي لجأ إليه لهذا لا يعد الاستصحاب من الأدلة القوية في مرتبتها وإذا عارضه دليل آخر قدم عليه .
        مثاله : انه إذا كان الأصل في شيء الإباحة كالطعام مثلا فالأصل إباحته حتى يقوم دليل تحريمه .. وإذا كان الأصل في الشيء الحرمة بقيت كالعلاقة بين المرآة والرجل حتى يثبت دليل الحل وهو الزواج .
        وأصدق دليل تستند إليه قواعد الاستصحاب كقاعدة في الأشياء الإباحة اعتمادها على قوله تعالى :
 ] هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَا في اْلأَرْضِ جَمِيعاً [ وقوله تعالى : ] وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا في اْلأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ [.
« شرع من قبلنا »
        لما كانت الشرائع السماوية واحدة في أصلها ، حيث منزلها واحد وهو المولى عز وجل فأساسها واحد - إلا أن الله قد يحرم بعض أمور على قوم لحكمة يعلمها ربما تهذيبا لشهواتهم ، كما أن أشكال العبادات تختلف وان كان هدفها عبادة الواحد القهار ومن هنا بقيت بعض الشرائع في كافة الأديان فشريعة القصاص مثلا بقيت في الإسلام كما هي في التوراة .
    وقد تناول القرآن بعض الأحكام التي شرعت على الأمم السابقة كما يلي :-
        أ - منها ما هو مفروض على أمة الإسلام كما فرضت على غيرهم كما في قوله تعالى : ]  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيُكُم الصَّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قْبِلُكْم لَعَلَّكُمْ تَتْقُونَ [ .
        ومن ذلك الاستناد إلى مشروعية الكثير من العقود لاستعمال من قبلنا في الشرائع السابقة لها وورود آيات قرآنية بذلك كما في عقد الوكالة في قوله تعالى في قصة أهل الكهف ] فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ [ . وفى الكفالة ما ورد في قصة يوسف وأخوته « وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ [ أي ضامن وكفيل ، وما جاء في قصة موسى عليه السلام مع شعيب كدليل للإجارة للأشخاص ] هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ [ .
        ب- ومنها أحكام ذكرت على سبيل الأخبار عن الأمم السابقة حيث كانت مفروضة عليهم فقط في قوله تعالى : ] وَعَلَى الَّذِيَن هَادُوا حُرِّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرِ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهمْ شُحُومَهَا إِلاَ مَاَ حَمَلَتْ ظُهُوُرهُمَا أو الْحَوَايَا أَوْ مَا أخْتَلَطَ بِعَظْمِ ذَلِكَ جَزيْناهُمْ بِبَغْيِهمِ وإِنَّا لَصَادِقُوَن [ .
        فقد دلت الآية على أن التحريم هذا كان خاصا باليهود جزاء لهم على بغيهم . بدليل أن هناك نص فى القرآن سابق على هذه الآية مباشرة يبيح للمسلمين كل هذا فى قوله ] قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [.
        جـ- وهناك أحكام قصها القرآن عن الشرائع السابقة ولم يرد معها ما يدل على أمرنا بها أو قصرها على غيرنا - فقد ذهب الفقهاء إلى ضرورة العمل بها لأن نص القرآن يلزمنا بها وأيدته الأحاديث النبوية.
        مثال ذلك :  قوله تعالى : ] وَكَتَبْنَا عَلَيْهِم فِيهَا أَنَّ الَّنْفَس بِالَّنْفِسَ وَالْعَيْنِ بِالْعَيِن وَاْلأَنْفَ بَاْلأَنْفِ وَاْلأُذَنَ بَاْلأُذَنِ وَالسِنَّ بِالسِنِّ والجروح قِصَاصُ [ .
« العــــرف »
     مفهومه :
        هو ما اعتاده الناس من معاملات واستقامت عليه أمورهم سواء أكانت في أفعالهم أو في أقوالهم .
        ومثاله : تعارف الناس على استخدام لفظ الولد على الابن دون البنت على حين أنه يطلق في اللغة على الذكر والأنثى. وهذا عرف قولي .
        ومن العرف العملي : تعارف الناس على تقديم جزء من المهر وتأخير الجزء الثاني في النكاح .
        ويعد العرف أصلا من أصول الفقه - وهو مستند إلى قوله ( صلى الله عليه وسلم ) « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن » كما أن مخالفة العرف فيها حرج وقد نهى الله عن هذا الحرج بقوله ] وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ فالأمر الثابت بالعرف الصحيح يعد ثابتا بدليل شرعي. وقد جعل الفقهاء العرف معيارا لكثير من الأمور الفقهية فقد حكموا العرف في تقدير الأجرة في بعض الأعمال كما في أجارة المرضعة للطفل تصديقاً لقوله تعالى ] فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [ . وكما في قوله تعالى في تنظيم استمرار العشرة بين الزوجين أو في إنهائها ] فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [ وفى الإنفاق والمعاملة وقوله تعالى في كيفية تحديد الصداق ] فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [ - بل أن الفقهاء اعتبروا أن ما استقر عرفا بين الناس يعد ضابطاً ولو لم يتفق عليه أطراف المعاملة لذا قالوا « المعروف عرفا كالمشروط شرطا ».
        وقد اشترط العلماء للعرف حتى يكون أصلا شرعياً : أن يكون مضطردا وغالبا ، وألا يكون مخالفا لما اشترطه أحد المتعاقدين عند التعاقد ، ألا يكون مخالفا لنص الكتاب والسنة .

0 commentaires:

إرسال تعليق

المحاضرات mp3

للتحميل المحاضرات على صيغة mp3
المرجو استعمال هذا الموقع
يكفي ان تضعوا رابط المحاضرة من يوتيب و تحميل المحاضرة
http://www.clipconverter.xyz/

f

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More