Enter your email address:

Delivered by FeedBurner

Follow by Email

Derniers sujets

المشاركات الشائعة

الاثنين، 29 أكتوبر، 2012

المحاضرة الثانية أطوار الفقه الإسلامي





           
        الشريعة الإسلامية
   

المحاضرة الثانية

أطوار الفقه الإسلامي

بداية يجب أن نعلم أنه لا يقصد بدراسة أطوار الفقه الإسلامي أنها دراسة تاريخية كما تفعل بعض العلوم في دراستها لتاريخها إنما هي دراسة النشأة والبناء الذي بدأ في أبهي صوره مكتملا منذ النشأة الأولى ولأن تعاليم السماء لم تنزل مرة واحدة وضروري أن نعلم الحكمة في ذلك - وصفة التشريع في مراحله الأولى ثم المراحل التي تلى ذلك .

« التشريع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم »

         -  بداية نذكر بما قلنا سلفا بأن الفقه في هذه الفترة يأخذ معناه المتسع في طوره الأول وهو معنى الشريعة على وجه العموم بموضوعاتها الشاملة طوال حياة النبي صلى الله عليه وسلم وخلال تلقيه الوحي في شتى أمور الدين والدنيا من عبادات ومعاملات وتهذيب النفوس وترسيخ العقيدة فالفقه مرادف للشريعة خلال هذا العهد. ويتسم بتركزه في المصدرين الرئيسين الكتاب والسنة حيث لا عهد لتلقيهما خلاف هذا العهد لأنه لا وسيلة لتلقيهما إلا بالوحي وعن طريق المتلقي والمبلغ محمد صلى الله عليه وسلم. وتبدأ هذه الفترة من بداية نزول الوحي عليه - صلى الله عليه وسلم- وتنتهي بانتقاله للرفيق الأعلى .

« نشأة التشريع في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم-»

         أستمر نزول الوحي على النبي - صلى الله عليه وسلم- ما يقرب من ثلاث وعشرين سنة منها ثلاث عشرة في مكة وعشر سنين بالمدينة ، وهذه الفترة هي فترة التشريع الحقيقى بمعنى إنشاء الأحكام وسنها للمرة الأولى من السماء على يد النبي - صلى الله عليه وسلم-.

« سمات ما نزل من الوحي بمكة »

         يتميز التشريع في هذه الفترة التي نزل فيها الوحي بمكة المكرمة والتي بدأت منذ بعثته بالمساندة للنبي - صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ممن اقتنعوا بدعوته وصلبت مواقفهم بجواره فتركزت كلها في تثبيت العقيدة ، وترسيخ الدين في النفوس - وتذكيرهم بحسن الجزاء في الآخرة ، وتفصيل قصص الأنبياء من باب بث الصبر والعزم في قلب النبي كما حدث للأنبياء السابقين وخاصة أولو العزم ممن جوبهوا بالعناد والمكابرة من أقوامهم .

         والحديث عن مصائر من خالفوا دعوة الله على يد أنبيائه ثم الحسنى لمن أطاعهم وفي هذا بث للطمأنينة في قلب النبي - صلى الله عليه وسلم- ومن آمن به .

فكانت حوارات الوحي بين المولى عز وجل وبين نبيه والمعايشة التامة لما حاولوا صده عن دعوته أو ترغيبه عنها ثم ترهيبه بكل السبل فتحققت بهذه المواكبة أطمئنان القوم إلى معية المولى عز وجل معهم ومع نبيهم وبما أن العقيدة أساس الدين كله فقد استمر الوحي بمكة أطول من المدينة .

         ثم كان ما يتميز به التنزيل السماوى في هذه الفترة عموم الخطاب الموجه لجميع البشر من آمن ومن ولم يؤمن ... وقد أتسم التشريع بالصمود بالدعوة في تلك المرحلة مرحلة الصبر على كل من وجه لهم الخطاب فتلك مرحلة الدعوى بالحسنى كما في قوله تعالى : ] ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [ . ولن أقوم بتحديد لعدد الآيات الملكية أو مميزاتها اللفظية فليس هنا محل دراستها.

×   مميزات التشريع المكى :

تميز التشريع في هذه الفترة من الناحية الفقهية بالمعنى الدقيق :

1-   ندرة آيات الأحكام في هذه الفترة . وذلك لانشغال الناس بالدعوة إلى العقيدة ، ونشرها ، وتثبيت أركانها .

2-   قلة الفروض والتكليفات الشرعية وبخاصة العبادات المالية كالزكاة والحج تخفيفا للأعباء الواقعة على عاتقهم من ناحية في شئون الدعوة وعدم صرفهم عنها. ولأن الاستقرار النفس لم يتحقق بعد للمجابهة الدائمة والتعرض لأذى المعارضين .

3-   إجمال ما يصدر من أحكام وقلة التفصيلات: وذلك لقلة الفتاوى والأسئلة والقضايا المعروضة والوقائع المحدودة المرتبطة بالمسلمين وهم قلة من ناحية ، ولتركز المشاكل في شئون العقيدة من ناحية أخرى حتى الآيات كانت قصيرة في كمها ليسهل حفظها للمسلمين .

« سمات التشريع المدني »

تبدأ هذه الفترة بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم- وبعد تثبيت العقيدة في النفوس، وحدوث الاستقرار، والتآخى في المدينة وبدء التحول للاهتمام بشئون الدنيا في المعاملات بفروعها المختلفة . بعد أن نشط الناس في تجارتهم وحركتهم، وحدوث الاتصال بالأمصار المختلفة نشرا للدعوة ، وتنمية التعامل معها وزيادة الثقة في نفوس المسلمين وتزكية روح الجهاد والقتال بين المؤمنين لمجابهة من يتعرض للدعوة بالسوء كل هذه العوامل أثرت في طبيعة التشريع والأحكام الفقهية فكانت :-

1-   كثرة آيات الأحكام في شتى مناحي الحياة .

2-   استكمال التكليفات الشرعية تدريجيا .

3-   كثرة التساؤلات والفتاوى التي نجم عنها تفصيل ما نزل مجملا واظهار وتوضيح ما ورد كليا وتخصيص ما ورد عاما على يد النبي صلى الله عليه وسلم.

4-   تتابع نزول أحكام المعاملات من بيع ونحوه وتحريم ما يعوق حله، واستكمال أحكام الأسرة الإسلامية وأحكام التكافل والتآخى في المجتمع الإسلامي ، والتثبت بما استقر من أحكام التشريع ، ولو وصل الأمر إلى مجابهة المعارضين وإظهار قوة المسلمين بالقتال .

لهذا اتسمت هذه الآيات والأحاديث بتوجيه الخطاب فيها للمؤمنين ببث الثقة في نفوسهم وإظهار انتصارهم باستقرار دينهم ، واستكمال بناء أمور حياتهم فكانت الآيات مبدؤه بقوله : « يأيها الذين آمنوا » ، « إن الذين آمنوا » وفي الحديث عن المعارضين : « إن الذين كفروا » ويأيها الذين كفروا إلى أن نزل قوله تعالى : ]الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإسلام دِينًا [ .

« مصادر التشريع في العهد النبوي »

« القرآن هو المصدر الأول »

تعهد المولى عز وجل وأراد لهذه الأمة أن تكون معجزتها الأبدية والخالدة والدائمة إلى يوم الدين هي كلامه عز وجل المنزل على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم- على سبيل التحدي والإعجاز المتعبد بتلاوته .

         كما تعهد سبحانه وتعالى بحفظه وتهيئة كل سبل الحفظ له والاستمرارية لمن تلقوه ولمن يستلهمون إعجازه على الدوام لهذا كان أسلوب نزوله على النبي - صلى الله عليه وسلم- بصورة تحقق الروية والسكينة في التمعن فيه وإجادة حفظه .

         ولعل سائلا يقول لماذا لم ينزل القرآن مرة واحدة ؟ ومنهم من يبرر ذلك بزعم أن متلقي الوحي كان أميا ومن ثم كان التدرج رفقا به ليسهل حفظه!! .

         ونرد بأن المولى عز وجل قادر على أن ينزل القرآن مرة واحدة كما نزلت الكتب السماوية السابقة - لكن الكتب السماوية السابقة لم يرد بألفاظها الإعجاز - كما لم تكن المعجزة المقصودة لرسلها لتأييد دعوتهم لهذا كان لزاما نزول القرآن على الأمة بأسلوب معين لترسيخه في صدور الرعيل الأول تمهيدا لتدوينه في مراحل تالية كل هذا مؤيدا بتعهد الله عز وجل بحفظه فلا خوف من التدرج في تنزيله واستمرار ذلك زمنا معينا .

         أما المقولة الثانية الزاعمة بأن أمية الرسول هي السبب في نزول القرآن بالتدريج أو مفرقا فالرد عليها أبسط من زعمها .

1-   أن القادر على تثبيته في نفس الأمي بالتدريج قادر على تثبيته في قلبه مرة واحدة .

2-   أن الأمية حجة ومزية لصالح الوحي والتدرج عموما لأنه لو كان غير أمى لتحول الزعم إلى التشكيك في نوعية الوحي والإعجاز وإحداث اللبس فيه وأن الرسول قد أعمل فكره وتعليمه في لفظه ، فأميته - صلى الله عليه وسلم- هي أكبر برهان على صدقه .

3-   أن حكمة التدرج غير ذلك تماما كما سيتضح حالا .. وهل يتصور عقلا أمام قدرة الخالق وإعجاز وحيه أن تقف الأمية حائلا أمام الوحي حتى يتغير أسلوب إلقائه على النبي فيتحول إلى التدرج بدلا من نزوله مرة واحدة وقد أكد المولى عز وجل كل هذه المعاني في قوله « وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لأرتاب المبطلون » .

Å    فما الحكمة من نزول القرآن بالتدريج ؟ :

         تتضح أسباب نزول القرآن منجما على مدار بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم- التي أتمت ثلاثة وعشرين عاما بين مكة والمدينة فيما يلي :

Û  أهم أسباب نزول القرآن بالتدريج:

×    أولاً : تلطف المولى عز وجل بنبيه وبالمسلمين حتى يسهل عليهم حفظه وفهم معانيه ثم بعد تدبره وتعقله يكون الامتثال لأوامره عز وجل .

‌أ)        أما التلطف بالنبي : حيث كان الوحي للنبي بألا يتعجل بقراءة القرآن أثناء تلقى الوحي من جبريل عليه السلام فقد نزل منجما تلطفا بك يا محمد أما مهمة الحفظ فقد تعهدنا بها وما عليك الا أن تدعو الله بزيادة العلم واليقين فقال تعالى موجها خطابه لنبيه  ] وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا[ .

‌ب)     ثم مبينا هذه الرحمة بالعباد بعد الرحمة بالنبي في قوله تعالى « وقرآنا فرقناه لتقرأه للناس على مكث ونزلناه تنزيلا » .

‌ج)     كذلك من آيات اللطف بالنبي وبالعباد في حكمة التدرج بث الطمأنينة في قلب النبي والمؤمنين، عند القلق انتظارا لحكم السماء في واقعة من الوقائع فقال تعالى ردا على اعتراض الكفار على كل شيء ومن بينه التدرج في التنزيل ] وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا [ .

‌د)       ثم من مظاهر التخفيف والتيسير على العباد بهذا التدرج، مراعاة طاقة المكلفين بتحمل التكليف بالامتثال بتنفيذ الحكم الواحد وبخاصة لو كان هذا الحكم مرتبطا بأمر قد تأصل في سلوكهم ردحا طويلا من الزمان وله سوابق في حياتهم كما في الأمر بتحريم الخمر وتحريم الربا وهما من الأمور التي استقرت في تعاملاتهم بتركها مرة واحدة لشق التكليف عليهم فكانت حكمة التدرج بترتيب مراحل التحريم شيئا فشيئا حتى يتعودا على الامتثال وترك أمر لصيق بهم . فكان أول ما نزل بشأن الخمر قوله تعالى : ]يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [ . فالآية أظهرت عم الإثم في شرب الخمر فكان هذا مدعاة لترك بعض الناس شربها تغليبا لإثمها واستمر البعض الآخر آخذين ببعض منافعها. فكانت المرحلة الثانية بنزول قوله تعالى : ] تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [.

         فكان النهي عن الاقتراب من الصلاة وهم سكارى ، فتركها البعض ما دام هناك حرج عند الذهاب للصلاة مع السكر ، وشربها البعض في غير مواعيد الصلاة .

         حتى كانت المرحلة الثالثة الحاسمة المؤكدة للتحريم النهائى في قوله تعالى: ] يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ فكان الأمر بالتحريم في قوله فاجتنبوه .

×    ثانيا:  كذلك من أهم أسباب نزول القرآن منجماً:

         هي مواكبة النزول للأحداث والوقائع ، كأنه اجابة عن تساؤل يثار وقت الواقعة أو المشكلة وهو ما هو حكم السماء ؟ أو ما هو الحل يا محمد ؟ فينزل الحكم بالوحي من السماء ، كقوله تعالى : ] يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ [ ، وقوله ] يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [.

         وننوه إلى أن التدرج في نزول القرآن الكريم منجما ليست له صورة واحده في مكة فهو أمر نسبى فهناك سور من القرآن نزلت كاملة ، وهناك مجموعة من الآيات بالخمس أو العشر مرة واحدة .

Û  « منهج القرآن الكريم وأثره على الفقه في هذا العهد»:

         وقد أستمر نزول القرآن الكريم حتى انتهاء بعثته - صلى الله عليه وسلم- بانتقاله للرفيق الأعلى وقد سلك منهجا في نصوصه لبيان الأحكام : فقد ذكرت بعض الأحكام بطريق التفصيل لما يمكن أن يتعرض للاختلاف بين الناس بتغير الزمان والمكان .

         وجانب أكبر من الأحكام أكتفي فيه القرآن بذكر القواعد الكلية ، والأصول العامة وترك الاستنباط للفروع لفقهاء كل زمان بمعايير محددة.

b هل حدث تدوين للقرآن في العهد النبوي ؟

         كان اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم- وسلم عند نزول الوحي عليه بالقرآن يركز على العمل على حفظ ما ينزل عليه ثم يقوم عقب ذلك ، بتحفيظه وتثبيته في قلوب أصحابه والذين عرف عنهم القدرة على الحفظ ، والسرعة في الاستيعاب. ثم بعد ذلك كان عليه الصلاة والسلام يأمر بعض الصحابة بكتابة ما ينزل علية من القرآن - وقد كانوا يعدون لأنفسهم نسخا مما يكتبونه للنبي عليه الصلاة والسلام .

         - ولكن لم تقم عملية كتابي للقرآن كاملا في حياته - صلى الله عليه وسلم- كالتي حدثت في عهدى أبى بكر وعثمان رضي الله عنهما وهذا بديهي لما يلي:-

1-   أن القرآن مستمر في النزول طيلة نزول الوحي والذي لا يعلم الا الله متى سينقطع والذي أنتهي بانتقاله - صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى فكيف يتصور جمع ما لم يتم نزوله ولا يدرى متى سينتهي تبليغه .

2-   كذلك فإن القرآن وكما أسلفنا قد نزل مفرقا ومواكبا للحوادث والوقائع وبالتالى لم ينزل مرتبا من حيث سوره وآياته والتي لا يستطيع أحد غير مُنزله جل وعلا ترتيبه وهو ما حدث في نهاية بعثته بتوقيت من السماء .

         فرتب القرآن كاملا حيث نزل جبريل عليه السلام وألقى على النبي - صلى الله عليه وسلم- ترتيب سوره وآياته من عند الله فكيف .. يتسنى جمعه أو تدوينه مرتبا كاملا قبل ذلك .

« المصدر الثاني للتشريع في العصر النبوي »

         الصورة الثانية للوحي والتي هي المصدر الثاني للتشريع في هذا العهد هي السنة النبوية الشريفة التي هي وحى من عند الله مصداقا لقوله تعالى: « وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوى ».

         ويبدأ دور السنة النبوية الشريفة منذ بعثته - صلى الله عليه وسلم- واختياره ليكون النبي الخاتم ، فكانت أقواله وأفعاله وتقريراته . منهجا وسلوكا واقتداء للبشر.. ] لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [.

         وقد قام - صلى الله عليه وسلم- بصفته متلقي الوحي ومبلغه بتوضيح وتفسير ما يسأل عنه الصحابة من مرادفات الألفاظ التي تحتمل معان متعددة في القرآن وهو دور التفسير والتوضيح لآيات القرآن .

         -  كذلك فإن السنة قامت بتفصيل ما ورد مجملا في القرآن الكريم من أحكام وتكليفات وبيان تفاصيل الكلى من الأحكام في شتى التكاليف .

         فنجد أحكام العبادات التي ورد مجملة كما في فرض الصلاة والزكاة التي وردت أوامر فرضها مجملة بصيغة الأمر المبين لوجوبها على العباد كقوله تعالى : « وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة » فتأتى السنة لتبين وتفصل مواقيت الصلاة بفروضها الخمس ، وعدد ركعات كل صلاة وتفاصيل الأداء في هذه الركعات ببيان أركان الصلاة كذا في الزكاة ببيان مصارفها المقررة ومقدارها في كل أصنافها من أموال ، زروع ، وثمار ، وماشية ، وتجارة ، وتفاصيل هذه الأموال ووسيلة الحصول عليها ومقدار كل منها وشروطه من مرور الحول على بعضها كذا نجد في المعاملات أن القرآن الكريم قد بين أحكام لعبادات عموما بالحديث عن التراضي فيها وتحاشى أكل أموال الناس بالباطل واختص بعض العقود بالذكر لأهميتها كالبيع والإيجار كما في قوله تعالى :] إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [ وقوله تعالى : ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [ وقوله تعالى : ] وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [ وقوله تعالى : ] فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ بصدد إجارة الأشخاص للرضاع. فأتت السنة النبوية الكريمة لتفصل الكثير من العقود في إطار القواعد العامة للتراضي والحل والحرمة في القرآن فتحدثت عن عقود المضاربة ، الشركة، المساقاة ، المزارعة والوكالة إلى غير ذلك مما يعالج حاجات البشر كذا بينت السنة في مجال الجناية والعقوبة شروط وتوصيف الجريمة حتى يستحق مرتكبها العقاب الشرعي كتحديد النصاب الواجب قطع اليد فيه في السرقة والظروف المحيطة بالسرقة وغيرها من الجرائم ثم الحديث عن غير ما ورد في القرآن من جرائم والتعازير المقدرة لها كعقوبة.

         وكل ما أتت به السنة في هذه المجالات على سبيل التكميل أو التوضيح والتفسير والتفصيل أو التأكيد إنما هو وحى سماوى أمر به الرسول، تصديقا لما ورد في قوله تعالى : « ونزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم » ، فهو تكليف من السماء بهذه المهمة في صورة الوحي .

         ويتضح لنا أن دور النبي ليس تشريعيا بمعنى سن الأحكام وإنشائها إنما التشريع من السماء بطريق الوحي في صورة الكتاب المبين والسنة النبوية الموضحة. ولأن القرآن الكريم قد لبى كل حاجات البشر بكلياته فقد كانت السنة في معظمها توضيحية وفي القليل أنشأت بتكليف من الوحي موضوعات لأول مرة .

« الاجتهاد في هذا العصر »

Û  النقطة الأولى : لماذا يتعرض الفقهاء على اختلاف تخصصاتهم أصوليا وفقهيا وعقائديا في علم التوحيد لهذا الموضوع بحساسية وحذر شديدين ؟.

         -  فقد أجمع علماء التوحيد على عصمة الأنبياء جميعا عن الخطأ باعتبارهم صفوة مختارة من العباد اختصهم الله بتبليغ الدعوة والرسالة لذا كان لذاما تنزيههم عنه. فكان جمهور علماء التوحيد يصرفون الآيات التي وردت في حق الأنبياء والتي قد يحتمل ظاهرها حدوث خطأ من بعض الأنبياء ويبينون عصمة الأنبياء عن الخطأ صيانة وسلامة لرسالاتهم وتنزيهها عن أي شبهة ولما كان الاجتهاد في الأمر يحتمل الصواب والخطأ .

         لذا كانت الحساسية والحذر في التعامل مع هذا الموضوع بصدد الأنبياء واذا انتفي الخطأ عن كل الأنبياء فمن باب أولى خاتم الأنبياء .

Û   النقطة الثانية : ما هي طبيعة الاجتهاد الذي يثير هذا التخوف والمراد نسبة حقيقته وحدوثه من النبي - صلى الله عليه وسلم- في هذه الفترة ؟؟ .

×    حقيقة الاجتهاد عموما :

         هو استنباط الحكم الشرعي في واقعة ما من أدلته ومصادره . طالما لم ينص صراحة على الحكم حيث لا حاجة إلى الاستنباط .

         فمنهم من أجاز وقوعه عقلا : أي امكان تصور حدوثه من الناحية الفعلية سواء أحدث أم لا .

         وتوقف الآخرون عن الحكم على هذه المسأله ولكن يمكن تركيز آراء الأصوليين والفقهاء حول هذا الموضوع في اتجاهين :

·        الاتجاه الأول :

         ويمنع أصحاب هذا الاتجاه أجتهاده - صلى الله عليه وسلم- ويرجعون ذلك إلى أن بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم- متصلة دائما بالوحي وأن بابه مفتوح - وأن السماء تمد الرسول بالاجابة والرد على جميع الوقائع - سواء في ذلك بنص القرآن أو ببث الوحي في روحه فيصدر في صورة الأحاديث النبوية الشريفة لتعالج القضايا وترد على التساؤلات ومن ثم فلا حاجة تدعو إلى الاجتهاد طالما أن الوحي يجيب وكثيرا ما كانت إجابة الرسول على بعض التساؤلات بما معناه الانتظار حتى ينزل الله في شأن هذه الأمور شيئا من القرآن أو أمرا في شأنها .

         وفي كل الأحوال إن نزل الوحي بالحكم الشرعي المراد حسمت القضية بالوحي المباشر ( القرآن ) وإن لم ينزل الوحي أعتبر هذا تفويض خاص في هذه الواقعة بإعمال الوحي « غير المباشر » وهو السنة وكثيرا ما يكون هذا.

         فكل ما يصدر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- وحى مصداقا لقوله تعالى : « إن هو إلا وحى يوحى علمه شديد القوى » أي كل ما يصدر عنه وحى من عند الله كما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- معصوم ومنزه عن الخطأ كا ذكرنا في بداية الموضوع .

         ومن ثم فإن أصحاب هذا الاتجاه يوجهون كل عتاب صدر في القرآن في توجيه النبي - صلى الله عليه وسلم- للطريق الأمثل لحل واقعة ما بما لا يؤدى معه إلى القول باجتهاد النبي - صلى الله عليه وسلم- بمفهوم الاجتهاد الذي عرف به بعد العهد النبوي ويصرفونه عن توهم الخطأ أو محاولة نسبته اليه - صلى الله عليه وسلم- وإن هذا العتاب موجه إلى الموقف وما أحاط بالواقعة من ملابسات وذلك للأسباب السابقة ولنضرب بعض الأمثلة لبعض هذه الوقائع وكيفية معالجة أصحاب هذا الرأي لما ورد في شأنها من تنزيل سماوى .

-          أسرى غزوة بدر :

         ومؤدى هذه الواقعة أن غزوة بدر هذه كانت أول مواجهة حقيقية بين المسلمين والكفار ولم تكن هناك نصوص قرآنية تنظم آثار الحروب أو التعامل مع الأسرى وكان هذا موقفا جديدا على المسلمين . فكان أن طبق - صلى الله عليه وسلم- مبدأ الشورى في أخذ رأي أصحابه فيما يعرض في مثل هذه المسائل تطبيقا لنص قرآنى قائم وهو قوله تعالى : ] وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [ فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- « ما ترون في هؤلاء الأسارى » فقال أبو بكر رضي الله عنه يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم الفدية نستعين بها على مواجهة الكفار ، ولعل الله يهديهم للإيمان. فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم- ما ترى يا ابن الخطاب قال : يا رسول الله ما أرى الذي رأي أبو بكر ولكني أرى أن نضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر وصناديده فكان أن أخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم- برأي أبى بكر وأخذ الفداء في الأسارى. بعد ذلك نزل قوله تعالى : ] مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [.

ويوجه أصحاب هذا الاتجاه المانعين لاجتهاده - صلى الله عليه وسلم- هذا الموقف بقولهم:

-        أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يفعل إلا ما أمره الله به من قبل وهو تطبيق مبدأ الشورى المنصوص عليه في القرآن . بعرض الأمر على أصحابه عملا بذلك.

-        أن العتاب الموجه في الآية إنما هو لمن باشرو الحرب الذين أرادوا أخذ الفداء وهو رأي أبى بكر والأغلبية المؤيدة له .

         وكأن معنى الآية ما كان ينبغي لكم يا من باشرتم القتال أن تتركوا الأسرى مقابل الفداء قبل أن يتمكن نبيكم في الأرض وقرينة ذلك قوله تعالى تريدون عرض الدنيا كما أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يأمرهم أثناء القتال باستبقاء أحد من الكفار أسرى .

         ولعل المولى عز وجل أراد أن يوجههم إلى عدم التعجل بالإدلاء برأيهم في أمرٍ عرضه الرسول عليهم ولو كان قد طلب منهم ذلك انتظارا لرأيه - صلى الله عليه وسلم-لأنه جل وعلا بعد ذلك وبعد أن عاتبهم ونصحهم وضع المبدأ الدائم في الأسرى وفيه إقرار لهم على ما أخذوه من غنيمة في مقابلتهم بقوله تعالى
] فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ . وتوجيهه لهم في شأن ما يجد من أسرى فيما بعد بقوله ] فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[  .

         ويذهب هذا الجانب من الأصوليين والفقهاء ومعهم جانب من الفقهاء المحدثين إلى القول « بحدوث الاجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم- لكنه اجتهاد من نوع خاص ».

         وان ذهب البعض منهم إلى أن اجتهاده - صلى الله عليه وسلم- لا يتعين أن يكون صوابا دائما وأولو الآيات التي قد توهم بهذا الخطأ .

-          في واقعة أسرى غزوة بدر :

         قالوا إنه لم يكن هناك نص عن الأسرى عند حدوث هذه الواقعة ، وأنتظر النبي نزوله ولم يحدث فكان هذا إيذانا له بالاجتهاد عندها طلب النبي - صلى الله عليه وسلم- من صاحبيه أبى بكر وعمر أن يجتهدا واجتهد - صلى الله عليه وسلم- في الترجيح بين اجتهاديهما المعتمدين فيه على المصلحة واختار رأي أبى بكر وأطلق سراح الأسرى. فلما نزل قوله تعالى معاتبا « ما كان لنبى أن يكون له أسرى ..» الآية لا يعتبر هذا عتابا على مخالفة أو خطأ لا من النبي - صلى الله عليه وسلم- ولا من أصحابه ذلك :



1-   أن القرآن قد خلا من نص عن الأسرى قبل نزول هذه الآية ولم تحدث مخالفة .

2-   انتظار النبي لنزول الوحي في الواقعة وعدم نزوله يعد أمرا ضمنياً له بالاجتهاد وهو الذي يدعمه الوحي في كثير من الوقائع فهو منفذ لأمر الله.

3-   أن المخالفة أو الخطأ يكونان عندما يكون هناك نص يستخلص منه حكم أو قياس على واقعة سابقة وليس أمامنا نص خالفه الرسول أو أصحابه.

4-   إن حكمة الشارع تجلت في تدريب النبي وأصحابه على اختيار الحلول للوقائع ولو كانت خلاف الأولى الذي هو في علم غيبه تعالى ولا يدركه البشر ، ولو أراد تعالى أن ينص مباشرة على حكم الأسرى قبل اجتهاد النبي وصحبه لفعل فمؤدى هذا الرأي ان الاجتهاد قدوقع منه عليه الصلاة والسلام لكنه لم تقع منه مخالفة باجتهاده كما أن اجتهاده مبنى على صواب وهو عدم وجود نص قد يحتمل معه استنباط الحكم منه خطأ أو صوابا أما العتاب في بعض الأمثلة فمرده إلى التدريب والتعليم أو أن الاجتهاد أخذ بصواب خالف الأولى وهو ما نزل به الوحي بعد الاجتهاد واستقر به الأمر وحيا .

-          ومما يرجح وجهة نظر أصحاب هذا الرأي :

×     أولاً: أنهم يتفقون مع أصحاب الرأي الأول المانعين للاجتهاد مطلقا في نفي المخالفة أو الخطأ عنه عليه الصلاة والسلام .

×     ثانياً: يثبتون حقا له - صلى الله عليه وسلم- وهو أولوية الاعتبار والتبصر في الأمور منه - صلى الله عليه وسلم- بالاجتهاد في تفسير وتوضيح معانى النصوص . وإذا جاز هذا لغير الرسول فمن باب أولى للنبي - صلى الله عليه وسلم- وهو المفضل على الخلق أجمعين .

×     ثالثاً: أن اجتهاده - صلى الله عليه وسلم- وحى ومتابعته بالتوضيح بنزول الحى بنصوص القرآن أيضا وحى حتى على افتراض التنويه على الأولى في النص القرآنى أي التنبيه على الأوضح فما هو إلا وحى قد وضح وحيا كما تنزل آية مجملة وتعقبها آية أخرى تفصلها وتوضحها وكما يقول المفسرون القرآن يفسر بعضه بعضا فما الغرابة في تفسير وتوضيح القرآن للسنة المشرفة وهي وحى يوحى. وقد اتصف الرسول بما هو أعلى من الاجتهاد وهو النبوة وإذا كان الاجتهاد شاقا فالأشق لا يتركه الرسول .

×     رابعاً: كما أن الأخذ بهذا الرأي يدفع من يحاولون نفي الاجتهاد عنه - صلى الله عليه وسلم- لإثبات عدم القدرة والعلم حاشا لله أن يكون هذا كما في آراء بعض الشيعة وقصر الاجتهاد على أئمتهم ولا يتصور أن يكون في الآية من هو أفضل منه فهو الذي يحكم بما أراه الله وهذا الرأي استقر عليه معظم الفقهاء المحدثين في الفقه الإسلامي .

Û  اجتهاد الصحابة في العهد النبوي :

         ذهب جمهور الأصوليين والفقهاء إلى إذن النبي - صلى الله عليه وسلم- لأصحابه بالاجتهاد في حياته وذلك على سبيل التدريب والتعليم تحت مراقبته - صلى الله عليه وسلم-. وذلك لأن المتصور أن اجتهاد الصحابى لن يخرج في حياته - صلى الله عليه وسلم- عن صورة من الصور التالية :

×     أولا : إما أن يتم في حضوره - صلى الله عليه وسلم- كما أذن النبي لأبى بكر وعمر بالاجتهاد بالرأي في أسارى بدر تحت إشرافه وتدريبه. وهنا يكون تدريبا عمليا يقوم عليه - صلى الله عليه وسلم- أو يقره .

×     ثانيا: أن يتم اجتهاد الصحابى في غياب الرسول وبأذن منه . كما حدث مع معاذ بن جبل عندما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى اليمن وقال له كيف تصنع إن عرض لك قضاء ؟ قال أقضى بما في كتاب الله قال فإن لم تجد في كتاب الله ؟ قال فبسنة رسول الله قال فإن لم يكن في سنة رسول الله ؟ قال اجتهد رأيى لا آلو أي - لا أقصر - فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بيده على صدره وقال: « الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله ».

         فهذا إذن صريح من الرسول لأصحابه بالاجتهاد في غيبته . ولأنه لو وقع الاجتهاد فعلا من الصحابى في غيبته وقليلا ما يحدث لتفضيل الصحابي العودة للرسول للاستفسار منه في الواقعة وحكمها فان الأمر يعرض على النبي – صلى الله عليه وسلم-  فإما أن يقره مباشرة أو ينزل فيه شىء من القرآن وهنا يصير الحكم وحيا بمقتضى ما يؤيده من نص القرآن أو السنة .

         ويؤيد هذا ما حدث من الصحابة بالاجتهاد في قوله - صلى الله عليه وسلم- « لا نصلين العصر إلا في بنى قريظة» فاجتهد أصحابه بين آخذ للفظ بظاهرة وأصر على عدم صلاة العصر ولو فات وقته إلا في بنى قريظة واعتبر البعض اللفظ على سبيل الإسراع والهم في السير .

         ولما عرض اجتهادهم على الرسول - صلى الله عليه وسلم- أقر الطرفين على اجتهادهم.

« الفقه الإسلامي في عهد الخلفاء الراشدين »

« عصر كبار الصحابة »

« القرآن الكريم المصدر الأول للفقه في هذا العصر»

         استمر الحال في هذا العهد على ما كان عليه من شدة الحرص والعناية بحفظ القرآن الكريم ، وعدم اعطاء الفرصة للتفكير في مصادر أخرى للفقه غيره - عملا بما كان قد وضحه لهم رسولهم الكريم في ذلك ، حتى أنه كان ينهاهم عن تدوين السنة حتى لا تختلط بالقرآن أو ينشغلوا بها عنه إلى أن صادف المسلمون ما دعاهم إلى ضرورة إحداث ما يساعد على حفظ القرآن بالمحافظة عليه بما أضطرهم معه إلى اللجوء إلى ما ليس فيه نص أو توجيه سابق فيما قاموا به ونوضح ذلك فيما يلي :

« جمع أبى بكر للقرآن الكريم »

         فقد حدث في عهده ما نبهه إلى ضرورة جمع القرآن كله في مصحف مجمع فكما سبق وذكرنا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- كان يأمر كتاب الوحي بتدوينه وكان مفرقا في الرقاع والجلد وسعف النخيل الا أن غالب حفظه كان في صدور الحفاظ ، ولم تكن هناك نسخ مدونة مجمعه تغنى عن الحفاظ .

         وما حدث في عهد أبى بكر هو أنه في حروب الردة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم- استشهد عدد كبير من حفاظ القرآن ، فخاف أبو بكر على القرآن من قلة حفاظه باستشهاد الكثيرين منهم. لذا فقد نصحه عمر بن الخطاب بذلك، وما زال وراءه يقنع خوفه الذي نشأ عنده ، من أن في هذا إحداث لأمر لم يفعله الرسول ، فبين له أن في هذا الخير، وظل وراءه حتى شرح الله صدره لذلك فكلف زيد بن ثابت وكان كاتب وحى رسول الله يتتبع القرآن في الصدور ويكتبه ويجمعه ، وظل وراءه مع تردده وخوفه من هذه المهمة الجديدة حتى شرح الله صدره فتتبع القرآن وجمعه. واستقر ما جمعه عند أبى بكر ثم عند عمر وابنته حفصة رضي الله عنهم أجمعين . ويتضح من هذا العمل دقة صحابة رسول الله في تطبيق تعاليمه والالتزام بمنهجه من ناحية ، وبيان سمة هذه الفترة الممثلة في عدم إحداث أمر ليس للمسلمين حاجة اليه إلا للضرورة كما فعل أبو بكر .

         والحقيقة أن هذا العمل ليس فيه استحداث : فقد كان - صلى الله عليه وسلم- يأمر بكتابة الا أنه كـان فرقـا، غيـر مجتمـع ، فكـان أمـر أبـى بكـر بجمعهـا في نسخـة مترابطة حتى لا يضيع منها شىء .

 كذلك فإن زيدا بن ثابت لم يعتمد على حفظه وأنه كان من كتاب الوحي بل اعتمد على الصحف المكتوبة ، وصدور الحفاظ ، وأتم عمله في علانية حتى تسهل مراجعته إذا قدر الخطأ ، وبهذا العمل استمر تأكيد وعد الله في قوله ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ .

« جمع عثمان للقرآن في هذا العهد »

         الحدث الثاني الهام بصدد التعامل مع القرآن الكريم بمناسبة حفظه وتحقيق وعد الله بالمحافظة عليه ، والذي كان له فضل كبير حتى اليوم في المحافظة على الشكل الصحيح المنزل به القرآن بتوحيد مصاحفه واجتماع الأمة كلها على شكل واحد للقرآن. ذلك أن القرآن كان ينزل على سيدنا محمد بلسان قريش أكبر قبائل العرب والذي من بينهم قام الإسلام ورجاله بنشر الدعوة . وتخفيفا من المولى عز وجل ورحمة بالمتلقين وتلطفا بهم كان ينزل القرآن بالوحي مع جبريل عليه السلام بلسان قبائل العرب المتعددة اللهجة . كلغة أهل اليمن وحمير وغيرها من اللهجات - وكان القصد من ذلك تيسير حفظ القرآن ، وسهولة فهم معانيه ، حتى يرسخ ويتمكن من صدور الناس وعندها يقضى الله أمرا كان مفعولا وهو مما قدر وتم على يد عثمان بن عفان رضي الله عنه.

         واذا سأل سائل لماذا لم يتم هذا في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم- أو في صدر عهد الخلفاء الراشدين ؟؟

         والجواب : أن القرآن استمر نزوله حتى انتقال النبي - صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى فكانت ضرورة نزوله حتى يكتمل بتلك اللهجات إلى أن يتم حفظه ويتمكن في صدورهم ثم يعقب ذلك توحيد اللسان أما صدر عهد الخلفاء فلم تظهر أسباب خطورة تعدد اللهجات بعد إنما كان كل الهم هو الحفظ والتدوين قبل أن يضيع من صدور الحفاظ بتفرقهم أو وفاتهم وهو ما تم على يد أبى بكر بالجمع مكتوبا في مجموعة واحدة .

Å  فما سبب التدوين في عهد عثمان :

         سبب هذا التدوين أنه نتيجة تعدد اللهجات الذي نزل بها الوحي بالقرآن حدث اختلاف قراء القرآن في القراءة اختلافا أو شك أن يؤدى إلى فتنة في كتاب الله - بالاختلاف في بعض أحرف القرآن تبعا لاختلاف اللغة - حتى وصل الأمر إلى تفضيل بعض القراء قراءته على الآخر .

         فلما بلغ ذلك عثمان رضي الله عنه ، عندما أخبره حذيفة بن اليمان الذي كان في غزوة فأفزعه اختلاف الناس في القراءة فقال لعثمان أدرك الناس قبل أن يختلفوا كما أختلف اليهود والنصارى في كتبهم من قبل ، فأرسل عثمان إلى حفصة التي كانت كما سبق القول تحفظ النسخ المدونة في عهد أبى بكر وحفظت عند أبيها من بعده وطلب منها أن ترسلها إليه وأمر زيد بن ثابت صاحب الجمع الأول مع أصحابه وطلب منهم نسخها موحدة اللهجة طالما التوحيد في الشكل قائم وقال لهم « إذا اختلفتم في شىء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما نزل بلسانهم حتى إذا ما تم النسخ رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل ناحية بمصحف وأمر بما سواه من القرآن المختلف لهجته فحرق ، وبهذا العمـل تم الأمن لكتاب الله والحفـاظ عليـه مـن أن يختلـف فيـه حـرف واستمـر هـذا العمـل بنتائجه المثمرة حتى اليوم » .

         ويجب أن ننوه إلى خطأ شائع ونحن في هذا المقام أن كثيرا من الناس ينسبون عملية الجمع على هذا النحو الذي أمر به عثمان بن عفان رضي الله عنه فيلتبس عليهم أو يتوهمون أن عثمان قد استحدث طريقة لجمع المصحف من عنده فيقولون المصحف العثماني أو ذو الرسم العثماني نسبة إلى عثمان رضي الله عنه ولعل هذا من الخطأ في الفهم مما شاع بين العامة وحاشا لله أن ينسب عثمان ذو النورين رضي الله عنه طريقة من عنده لجمع القرآن إنما كل ما أمر به هو توحيد نسخ المصحف من تعدد اللهجات التي نزل بها لحكمة قد أدت الغرض منها بانتهاء نزوله وحفظه - وأمر بجمعه بلسان قريش الذي كان به النزول الرئيسي والأساسي وأضيف إليه الترخيص بالنزول بلهجات العرب تيسيرا لهم فكيف يقال بالرسم العثماني ؟ أكان لعثمان رسم حتى ينسب إليه . فيمكن القول جمع عثمان للمصحف بلسان قريش - تفاديا للخلاف في القراءة. ولم يخرج عمله عن جمع القراءات وتوحيدها منعا للاختلاف .

          كما أن من جمع المصحف بأمر عثمان هم نفس كتاب الوحي زمن الرسول وهم من جمعوه زمن أبى بكر وهم زيد بن ثابت وأعوانه فليس هناك تغيير أو تجديد سوى توحيد الحرف .

« الفرق بين جمع أبى بكر وعثمان للقرآن »

         كان القصد من جمع أبى بكر الصديق للقرآن الخشية من ذهاب شيء من القرآن بذهاب حفظته لأنه لم يكن مجموعا في موضع واحد وفي رباط واحد - فقد كان مفرقا في صحائف فقام بتدوينه مجمعا مرتبا سوره وفق ما أمر به  رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بعد أن أوحى إليه بذلك .

         أما جمع عثمان فكان خشية الاختلاف في وجوه القراءة التي تعددت ابتداء لحكمة فلما زال السبب وظهر الخوف من فتنة تعدد القراءات وتصور ضعاف النفوس تعدد القرآن - ورغبة الحفاظ عليه مما أصاب الكتب السابقة - خاصة باتساع اللغات واللهجات ، فقام بنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مقتصرا على لغة قريش التي نزل بها الوحي أولا قبل اتساع قراءاته لدفع المشقة عن الناس فاقتصر على لغة واحده بزوال السبب .

يتحد الجمعان في الهدف وهو المحافظة على المصدر الأول للتشريع ولأحكام الفقه الإسلامي وان اختلف السبب : ومما يدلل على ذلك أن عثمان قد اعتمد في جمعه على نفس الوسائل البشرية والأدوات التي أعتمد عليها أبو بكر في جمعه :

‌أ)        فقد أخذ نفس الصحف الموجود لدى حفصة بنت عمر وهي التي جمعها أبو بكر ونسخ منها المصحف الموحد القراءة .

‌ب)     استعان بالكتاب أنفسهم الذين جمعوا في المرة الأولى وعلى رأسهم زيد بن ثابت كاتب الوحي ومعه أثنا عشر رجلا من قريش والأنصار .

         فيتضح لنا أن كلا من الجمعين إنما هو تطبيق لوعد الله بالحفاظ على القرآن المصدر الأساسى للتشريع .

         نخلص من ذلك إلى أن الحرص في هذا العهد تركز في المحافظة على القرآن محفوظا ومكتوبا وموحدا دون لبس ليستمر المصدر الأول والأساسي لاستنباط الحكم الشرعي وإثراء الفقه بما يحتاجه الناس من أحكام، واستمر هذا النهج خالصا للقرآن زهاء القرن الهجري الأول كاملا بما سمي معه قرن القرآن .





« السنة النبوية في عهد الخلفاء الراشدين »

Û  أولا : التعصب للكتاب الكريم وهو القرآن:

            وذلك بالتقليل من رواية السنة في صدر هذا العهد اعتمادا كليا على القرآن ومن دلائل ذلك :

1-   أن السنة لم تكتب بل كانت محفوظة في الصدور دون تدوين .

2-   التشدد في مواجهة من يستشهد بغير القرآن عند وجود الدليل والحكم به .

         فقد روى أن أبا بكر كان يقول للفقهاء والمحدثين « أنكم تحدثون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فأحلوا حلاله وحرموا حرامه ».

         كما كان عمر أشد احتياطا في ذلك فقد كان يقول لقواد جيوشه ومبعوثيه إلى الأمصار « أنكم تأتون أهل قرية لهم دوى بالقرآن كدوى النحل ، فلا تصدوهم بالحديث ، فتشغلوهم ، جردوا القرآن ، وأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم ».

Û  ثانيا : الحذر من الخطأ في السنة :

         حرص الصحابة بالتأكيد على خطورة التحدث عن الرسول وأنها أمانة جزاء خيانتها كبير كما نبه على ذلك - صلى الله عليه وسلم- « من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار » .

         فقد ذكر في التعريف بعبد الله بن مسعود أنه كان يقل من الرواية للحديث ويتورع في الألفاظ « وذكر عنه أنه أي ابن مسعود كان يجلس اليه حولا لا يقول قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فإذا قال قال رسول الله استقلته الرعدة وقال هكذا أو قريب من ذا » خوفا من أن يكون قد روى غير ما قال - صلى الله عليه وسلم- .

Û  ثالثا : التثبت في النقل والرواية :

         مبعث الاقلال من الرواية ، أن الصحابة كانوا لا يقبلون الحديث من كل محدث بل كان لهم في الراوى نظرة ، واعتبار ، وكذلك فيما يروى فالرواية قريبة عهد بهم ولم تبعد بعد ، وأي خطأ يكون شاذا على آذانهم ومنهم الكثير من حفاظ ألسنة ، ورغم ذلك كان الكثير منهم يأبى سماع الرواية إلا بشاهد أو يمين من الراوى ، يؤكد وويدعم روايته .

         - ولكن هذا لم يمنع أنه كان هناك جانب من الصحابة أكثر من الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وذلك كأبي هريرة رضي الله عنه وكانت حجته في ذلك ، أنه سمع من الرسول ما يرغب في الافصاح عنه امتثالا لقوله تعالى : ] الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاعِنُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [ وبالتالى فقد حمل نفسه المسئولية وتحمل عبء الرواية الأكبر .

         ولقد أدى موقف الصحابة من السنة وعدم أخذهم بأي رواية الا بعد التثبت والتيقن من الرواية إلى ظهور مسائل وقضايا ليس لها نص مباشر في القرآن ولم يظهر فيها نص للسنة قد تثبتت روايتها في ظل التشدد بالأخذ بالسنة فظهر مصدر جديد لأول مرة في هذا العهد هو الإجماع .

« الإجماع مصدر جديد في هذا العهد »

         ومعنى الإجماع : اتفاق الصحابة على حكم لمسألة معينة ، عرضت عليهم ، فقد كان أبو بكر اذا أتاه الخصوم نظر في كتاب الله فان لم يجد نظر في السنة فان لم يجد قال للصحابة عرض على أمر  كذا !! فهل تعلمون ، أن النبي قد ذكره أو قضى فيه بشىء ؟؟ فربما يقوم الحضور فيقولون نعم قضى فيه بكذا أو يجمع فقهاء الصحابة فان أجمعوا على حكم قضى به وكذا فعل باقي الخلفاء مثله.

وقد ساعد على سهولة الإجماع في هذا العهد :

         أن الصحابة كانوا يقطنون المدينة ولم يتفرقوا عنها بعد وبخاصة في صدر هذا العهد بل كان يمنعهم الخلفاء الراشدون من مغادرتها للحاجة إليهم.

         وكان لابد من استناد الحكم المجمع عليه إلى نص في الكتاب أو السنة، كما أن الإجماع في بدايته أي عند عرض القضية للسؤال عن حكم لها كان بعد اجتهادا فرديا أي رأيا واحدا حتى إذا ما اتفق عليه من جمع من الصحابة واتفقوا على حكمه المستند إلى النص انقلب إلى إجماع له إلزامه وقوته .

         ويعد الإجماع في عهد الصحابة أقوى درجات الإجماع وحجة في كل العصور حتى أن بعض الفقهاء قد ذهب إلى أنه لا إجماع الا في عهد الصحابة حيث تفرقوا بعد ذلك ولا إمكان لتحققه بعد ذلك .

         ثم كان الإجماع هذا مدخلا ومدعاة لظهور الرأي أو الاجتهاد لاستنباط الحكم الشرعي ، فإنه كما ذكرنا ، أن الأمر عندما يعرضه أحد الصحابة ، في قضية من القضايا ويؤيده كل الصحابة في رأيه فإن هذا هو أبهي صور الإجماع ، حتى عند انقسامهم لرأيين في المسألة فإن رأي الأكثرية يغلب إجماعا ، أما اذا لم يجد رأي الصحابى ما يؤيده فإنه يخرج عن الإجماع وتبدأ صور الاجتهاد في الظهور وكان الحذر من التعصب في هذا الأمر واضحا لديهم فكان الصحابى ينسب الرأي لنفسه ، كما كان التواضع من شيمهم فإذا عرضت الفتوى على أحدهم أحالها على غيره لعظم المسئولية في الأمر .

« الاجتهاد في هذا العصر »

         ذكرنا في الفصل السابق أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- أذن لأصحابه في الاجتهاد على سبيل التدريب والتعليم حتى يسهل الأمر عند تعرضهم للجديد من الأحداث بعد انتقاله - صلى الله عليه وسلم- للرفيق الأعلى - كما حدث مع معاذ بن جبل عندما سأله عن كيفية قضائه إذا لم يجد للأمر نصا من كتاب أو سنة فقال أجتهد برأيي لا آلو أي لا أقصر فنال استحسان الرسول - صلى الله عليه وسلم- .

         وبالرغم من اهتمام الصحابة الشديد بالكتاب وتشددهم في رواية السنة والإقلال منها ، مخافة التقول على الحديث أو الخطأ في الرواية وبالرغم من تحرجهم في الفتوى وإبداء الرأي - وقلة الفقه الافتراضي أي تصور وقائع لم تحدث وإبداء الرأي فيها ، فإن الأحداث قد بدأت مبكرة بعد انتقاله - صلى الله عليه وسلم- للرفيق الأعلى ، طالبة من الصحابة إعمال فكرهم وتنفيذ ما دربوا عليه في حياته - صلى الله عليه وسلم- .

         فكان تطبيق مبدأ الشورى الذي أرساه - صلى الله عليه وسلم- ، في إرساء نظام الخلافة الإسلامية والذي تم في أبهي صورة مثالية ، نوعا من أعمال الفكر هذا فاختيار النبي لأبى بكر الصديق ليؤم المسلمين في الصلاة قبل انتقاله للرفيق الأعلى كان قرينة للمسلمين يسرت لهم القياس والاسترشاد لاختيار الصديق خليفة للمسلمين زكاه الرسول - صلى الله عليه وسلم- باختياره لإمامة المصلين. ثم تبع ذلك من الأحداث في صدر هذا العهد ما دفع الصحابة لإبداء الرأي المعتمد على نصوص الكتاب والسنة رغم حرصهم الشديد على تجنب ذلك ومن أشهر الأمثلة على ذلك :

« قتال أبى بكر الصديق لمانعي الزكاة »

         فقد منع الكثير من القبائل أداء الزكاة بعد انتقاله - صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى، وكان أمرا جديدا تعرض له الصديق وأصحابه . حيث الاعتماد على نصوص الكتاب والسنة أولا بأول لحل القضايا ، فلما أهتدى أبو بكر الصديق إلى قتال المانعين كان تخوف عمر بن الخطاب .. كيف القتال لهؤلاء وحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم- «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله » فكان الرد من أبى بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال - فتدخل تحت قوله - صلى الله عليه وسلم- إلا بحقه. فشرح صدر عمر لهذا الرأي وعرف أنه الحق .

         كذلك قضية جمع أبى بكر للقرآن عندما اعترضته قضية استشهاد حفاظ القرآن في حروب الردة وقتال مانعى الزكاة - ولما عرض عمر بن الخطاب أمر جمع القرآن على الصديق ، كان تخوفه رضي الله عنه أن يحدث أمرا لم يفعله الرسول – صلى الله عليه وسلم- فما زال عمر يراجعه حتى شرح الله صدره لذلك وأمر زيدا بن ثابت كاتب الوحي ليجمع القرآن فلقي منه تخوفا مثل الذي أبداه لعمر فراجعه حتى شرح صدره مثلما شرح صدر أبى بكر فجمعه من كل ما كتب عليه مع صحبه من كبار الحفاظ والكتاب للوحي .

         تلك كانت النماذج الأولى لما تعرض له الصحابة في هذا العهد من قضايا وجب عليهم إبداء الرأي فيها تحقيقا لمصالح دينهم ودنياهم .

أهم عوامل اتفاق الصحابة في الرأي

وقلة احتياجهم للاجتهاد الدقيق

1-   اجتماع الصحابة في المدينة حول خلفاء هذا العهد يسر اتفاق وجهات النظر بين الصحابة في كل ما يجد من أحداث .

2-   قلة الرواية للحديث والتشدد في قبولها أدى إلى عدم الخلاف لأن الخلاف ينشأ من تعدد الرواية وعدم التثبت منها .

3-   قلة الوقائع .. الجديدة حيث لا زال انشغال الصحابة بالحفظ ، للنصوص ، وفهم ما صدر من أحكام في حياته - صلى الله عليه وسلم- ولم يتسع ، الأمر لافتراض وقائع جديدة لم تقع بعد للخوف من ادخال جديد لم يحدث من قبل كما رأينا في الأمثلة السابقة .

         وقد أخذ اجتهاد الصحابة في مرحلة الاتساع النسبي للاجتهاد صورا عديدة وقد تحدثنا عنها عند الحديث عن الاجتهاد في عصر النبوة .

    أولاً: ظهرت صورة الاجتهاد بمعنى تفسير النصوص والبحث عن معاني الألفاظ واستنباط أحكام الوقائع من هذه النصوص وقد كان فقهاء الصحابة يعملون فكرهم في فهم معنى النص من الكتاب أو السنة للحكم في الواقعة كما حدث في اختلاف تفسيرهم لمعنى لفظ « قرء » في قوله تعالى ] وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ فحمل البعض لفظ القرء على الطهر ، أي أن المرأة تعتد بثلاثة أطهار أي تتربص فترة زمنية تتخللها ثلاثة أطهار بين الحيض . بينما حمله البعض على معنى الحيض وعليه تكون عدة المرأة ثلاث حيضات .

وهنا اختلف تفسير اللفظ وفهمه إلى المعنيين السابقين محققا النوع الأول من الاجتهاد .

    ثانياً: كذلك ظهرت صورة الاجتهاد بمعنى القياس عند عدم النص باعطاء الواقعة المطروحة حكم واقعة أخرى نص عليها في كتاب أو سنة عند تساويهما في العلة كما في اجتهادهم في حكم المرأة التي عقد عليها زوجها ومات قبل أن يدخل بها ولم يفرض لها صداقا . وتسمى هذه المرأة بالمفوضة وليس لحالتها نص في الكتاب أو السنة . ولكن هنك صورة أخرى للمفوضة نص عليها في الكتاب وهي المرأة التي طلقها زوجها بعد العقد عليها وقبل أن يدخل بها وقد ورد حكمها في قوله تعالى ] وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [ فبعد إجتهاد قاس الصحابة المفوضة الأولى في حالة الموت على الثانية المنصوص عليها في حالة الطلاق لاشتراك الواقعتين في العلة .
    ثالثاً: كذلك أعطى فقهاء الصحابة الحكم بالاجتهاد استنادا إلى تحقيق المصلحة وما يحقق مقاصد الشريعة وهو شكل من أشكال الاجتهاد. وهناك الكثير من الأمثلة على ذلك من أشهرها مسألة العطاء من بيت المال .

         فقد كان أبو بكر يوزع أموال بيت المال الناجمة عن موارد القتال والدولة بين الناس بالتساوي لا يفضل أحدا على أحد وكانت المصلحة تقتضى ذلك في عهده وكان يقول إن منازل الناس وتفاوتهم في الفضل عند الله أما العطايا فتسوى بينهم ، فلما كان عهد عمر رضي الله عنه ، وعظم شأن فتوحات المسلمين ، وكثرت موارد الدولة وبيت المال ونما العطاء فوجد عمر أن المصلحة تقضى مع هذه الكثرة أن يمنح من كان لهم دور في تحمل الأذى ونصرة الإسلام وأخرجوا من ديارهم فقال « إنه لا يجعل من قاتل رسول الله كمن جاهد معه » فتغيرت الظروف بتغير المصلحة وكان أثر ذلك بزيادة العطاء وإمكان مكافئة فئة دون الإنقاص أو الحرمان لفئة أخرى . وكان مراعاة من عمر لمصلحة عامة ليست باجتهاد مغلق بل استند واعتمد على نصوص القرآن كما في قوله تعالى ] لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [.

من أهم أسباب اختلاف الصحابة في الرأي

عند الحاجة للاجتهاد

1-   الاختلاف في فهم بعض نصوص القرآن : لاحتمال لفظ في النص لأكثر من معنى ، كا ذكرنا في اختلافهم في معنى لفظ « قرء » في قوله تعالى : ] وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [. وكل معنى يفهمه فريق يدعمه بالقرينة والدليل .

2-   التوفيق بين النصوص التي قد يتوهم تعارضها في المسألة الواحدة فقد جاء في عدة المرأة التي يتوفي عنها زوجها أنها تتربص أربعة أشهر وعشرا مصداقا لقوله تعالى ] وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [ كما أن عدة الحامل بوضع حملها كما في قوله تعالى] وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ .

هنا يثور موقف الحامل المتوفى عنها زوجها - وقد اختلف الصحابة في ذلك فذهب بعضهم إلى أن تمام عدتها أبعد الأجلين بمعنى أنها لو وضعت قبل تمام الأربعة أشهر وعشرا تكمل هذه المدة ، وذهب البعض إلى أن هذا ليس المراد فان عدة الحامل المتوفى عنها تكون بالوضع لأن الآية الأولى التي حددت المدة جاءت عامة وأن الآية الثانية خصصتها بحالة الحمل فكان توفيقا للعمل بالآيتين بفهم مرادهما ودفع توهم التعارض .

3-   الاختلاف بسبب مدى الاحاطة برواية وسماع السنة وفهم معانيها: فقد صدرت بعض أقوال الرسول أو أفعاله في غياب بعض الصحابة وفي حضور البعض الآخر . ومع التشدد في الرواية ، وعدم تدوين السنة حتى هذه المرحلة . والعمل على التثبت مما يقال ويروى عن النبي سواء بالشهود أو اليمين - كل هذا جعلهم لا يفتون إلا بما يقتنعون بصدق روايته والعمل أحيانا بعموم النصوص القرآنية حتى ولو كانت هناك سنة تخصص هذا العموم فيفتون عندئذ باجتهادهم .

4-   استعمال الصحابة للرأي : فقد كان استعمال الصحابة للرأي عندما لا يجدون الدليل يؤدى إلى توهم صورة ظاهرية للخلاف حيث يختلف فهم المعنى وفق مصدر استنباطه سواء أكان من نصوص متعددة ، من كتاب أو سنة أو قياس فقد يقيس أحدهم على واقعة خلاف الواقعة المقيس عليها في نفس المسألة مما قد يوهم بالخلاف .


0 commentaires:

إرسال تعليق

المحاضرات mp3

للتحميل المحاضرات على صيغة mp3
المرجو استعمال هذا الموقع
يكفي ان تضعوا رابط المحاضرة من يوتيب و تحميل المحاضرة
http://www.clipconverter.xyz/

f

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More